مها أحمد عوض* – الأردن
كانت ليلى امرأة بسيطة، تعيش مع زوجها وابنها الوحيد آدم في قرية هادئة. تتنفس الحياة بين ضحكات الجيران، ورائحة الخبز الطازج الذي كانت تخبزه كل صباح.
كان آدم، ذو السنوات الخمس، يملأ البيت ضجيجاً جميلاً، يركض بين الغرف، ويضحك بصوت يشبه تغريد العصافير.
في أحد الأيام، سُمعت أصوات الطائرات، أعقبها دويُّ انفجارٍ قريب. أمسكت ليلى بيد آدم بقوة، وركضت به نحو القبو الصغير أسفل المنزل، والذعر يملأ عينيها. وبينما كانت خطواتها تتسابق مع صوت القصف، دوى انفجار عنيف، فاهتزت الجدران وانهارت.
أغمضت عينيها للحظة، وعندما فتحتهما، كان كل شيء غارقاً بالغبار والركام. شعرت أنّ يد آدم لم تعد بين يديها. صرخت بجنون:
“آدم!! أين أنت يا حبيبي؟!”
بدأت تبحث بين الأنقاض، يداها تنزفان، وركبتاها تتمزقان من الحجارة، لكنها لم تشعر بالألم.
كل ما تريده هو أن ترى ابتسامته الصغيرة من جديد. ساعدها بعض الجيران، لكن لم يظهر أي أثر لآدم… سوى دميته الصغيرة، ملطخة بالدم والتراب.
مرّت الأيام والليالي، وصارت ليلى تجلس أمام بيتها المدمر، تحدّق في الطريق وكأنها تنتظر عودته.
الناس حولها يواسونها بكلمات باردة، لكنها كانت تردّ:
“آدم لم يمت… سيعود… أسمع صوته يناديني”.
مرّت ثلاث سنوات على تلك الليلة التي اختفى فيها آدم وسط الخراب. ومع كل صباح، كان قلبها يهمس:
“ربما هو حي… ربما لم يمت”.
في إحدى الليالي، وبينما تستمع لنشرة الأخبار عبر مذياع قديم، سمعت عن مخيم للأطفال الناجين من القصف في مدينة بعيدة. تحدّث المذيع عن أطفال أُنقذوا دون عائلاتهم.
تسارعت أنفاسها. كانت تلك العلامة التي انتظرتها طويلاً. جمعت ما استطاعت من مال، وحملت حقيبة صغيرة، وانطلقت تبحث عن ابنها.
سافرت بالحافلات القديمة، قطعت الطرق الموحلة، واجهت نقاط التفتيش، وتحمّلت التعب، وهي تضع يدها على صدرها وتهمس:
“آدم ينتظرني… لن أعود بدونه”.
عندما وصلت إلى المخيم، كانت الخيام البيضاء مرصوصة، وأصوات الأطفال تملأ المكان.
اقتربت من أحد المشرفين، وأخرجت صورة قديمة لآدم وهو يضحك:
“هل رأيتم هذا الطفل؟ اسمه آدم، كان في الخامسة حين اختفى…”
بدأت تبحث بين وجوه الأطفال، وكلما رأت طفلاً يضحك أو يركض، خُيّل إليها أنه آدم.
لكن الرد كان دائماً: لا.
ثم فجأة…
رأته. طفل يجلس في زاوية، يلعب بقطعة خشب صغيرة. ملامحه… تشبه آدم.
اقتربت بخطوات مترددة.
“آدم… هل أنت؟”
رفع الطفل رأسه ببراءة، لكنه لم يتعرف عليها.
سألت المشرف عنه، فأخبرها أنه وُجد في أنقاض قرية قريبة، ولا يعرف اسمه ولا عائلته.
جلست قربه، حدقت في عينيه البنيتين، فيهما شيء… منها.
بدأت تغني له أغنية اعتادت أن تغنيها لآدم قبل النوم:
“نام يا صغيري نام، والليل يحمي الأحلام…”
توقّف الطفل عن اللعب، ونظر إليها بدهشة، وكأنّ شيئاً استيقظ من أعماق ذاكرته.
مدّ يده، لمس وجهها، وقال بصوت خافت:
“ماما؟”
تجمّدت ليلى، وانهمرت دموعها. عانقته بشدة، وكأنها تخشى أن يختفي.
هل هو آدم فعلاً؟
لم تكن تملك الإجابة اليقينية،
لكن قلبها… كان يصرخ:
“نعم… إنه آدم…”.
*كاتبة وأكاديمية تحمل درجة الماجستير في اللغة العربية.


أضف تعليق