إسراء ناصر
ماري: لماذا لم تشرب قهوتك؟
زياد: لم أعد يستهويني مذاقها.
ماري، بدهشة مختلطة بالحيرة: هل هي مزحة؟ أم أنّك تغيّرت بالفعل؟ هل عليّ أن أصدق أنّك تبدلت وأصبحت رجلاً تعيساً؟
زياد: سعيداً… ربما.
الفنجان بين يديها ينبض، وكأنّ القهوة نفسها ترفض الذوبان. لم يعد طعمها في فمه، ولم يعد العالم كما كان. السحلفاة تراقبهما من زاوية غير موجودة، عيونها مفتوحة في الفراغ.
هل لم تعد تحبني؟
ما هو الحب؟
شعور بالازدواجية… بالانتماء…
هل تنتمين إلى عالمي؟
هل أنا من عالمك؟
الطرق تتلوى حوله، البحر يرتفع فوق الجبال، السيارات تمشي على الجدران، والسماء تنكسر إلى آلاف مرايا تصرخ باسمه. فتح هاتفه، لا رسائل، لا أصوات… سوى صمت يضحك بصوت الحرب. الكلمات تتحرك على الصفحات بلا ترتيب، القلم يكتب وحده، والورق يبتلع الأفكار قبل أن تولد.
الفتاة الغريبة تلوح له كل ليلة، تبتسم بلا وجه، تلبس ثياباً تتغير كل ثانية، شعرها ينساب في الهواء كما لو أنّ الرياح نفسها تتشكّل منه، والوقت يتوقف ليبتلع أنفاسه.
ماري تصرخ، كأنها صدى لنفسه في عتمة الغرفة:
تعبت منك! لماذا تدمر حياتنا؟
أي حياة؟ الموت يضحك، الخراب يرقص، الجوع يكتب رسائل…
وأنا؟
أنتِ مجرد همزة في قصة بلا نهايات…
وفي كل ليلة، تظهر الأخرى، تلمسه بلا جسد، تلعب بشعره، تشير إليه، تمزق الواقع، تصنعه من جديد… السيجارة تحترق وحدها، النجوم تسقط في الشرفة، والمدينة كلها تهرب إلى الداخل. وفي كل لقاء، الغموض، العقد، الرسومات الغريبة، التكرار الليلي، الشعر، الضحكات، النبيذ… كل شيء يختلط بالواقع والخيال، فتارة كأنه حلم، وتارة كأنه كارثة حقيقية!
في يوم ما، انفجرت اللحظة: ملايين مرايا، انعكاسات تتصارخ باسمه، واصطدم برأسه بزجاج السيارة، ثم استيقظ في مستشفى بلا جدران، والعدو بلا شكل، وأصدقاؤه مجرد صدى.
وبينما كان يبحث بين الأغراض والكتب، صُدم بصور تجمعهما في أماكن لا يعرفها، في لحظات حميمية لا تنتمي إلى الواقع، على البحر، في مكتبته، على طريق غابة خضراء، في سيارته… صورة لها، شعرها يتطاير من النافذة كما لو أنّ الريح نفسها تعانقه، وابتسامتها الرقيقة تضيء عتمة عقله. صورة أخرى لها، بلا ثياب، مستلقية فوق كتبه، تضع يداً فوق يد، تحدق باللوحات التي اشتراها مؤخراً، وكأنها تحركها بنظرتها فقط.
غابت عن عينيه ليالٍ طويلة، الغرفة مظلمة، لا أحد هناك، لكنه ظل ينتظرها بلا جدوى، حتى قرر صباحاً أن يذهب إلى شقتها، مرتدياً سرواله فقط، بلا قميص… كانت ماري قد لحقته، كأنها تصنع توازناً بين الجنون والواقع.
المدينة ذابت في صمت، والفتاة تحوّلت إلى خطوط على الهواء، يركض خلفها بلا جدوى، فتختفي أمامه، الباب مقفل، الأسئلة بلا أجوبة، العقل منهار، والدموع تجري بلا توقف. أشلاء أصدقائه تلاحقه في مخيلته، الحرب لا ترحم، والموت أقرب من أي معجزة، أقرب من أي شيء يمكن تصديقه.
جلس على طاولته، أراد أن يكمل مقاله، فجأة، ومن دون سابق إنذار، شعر بيدها تمر من بين أصابعه… نظر حوله، لم يعد يعرف إن كان العالم واقعاً أم مجرد حبر. دفتره يضحك بصوتها، والصفحات تكتب نفسها، الأفكار تتدفق بلا ترتيب، والقلم يرش الكلمات في الهواء، كلمات غير مترابطة، لكنها تحمل كل الجنون، كل الحنين، وكل فقدان الواقع في آن واحد! القلم يضحك، الأوراق تبتلع أصابعه… كتب آخر كلمة، وفجأة عاد إلى اللحظة الأولى من الحرب: الناس يركضون للخلف، القذائف تطير إلى السماء، العالم كله أصبح صفحات تتطاير بلا ترتيب.
الحرب، المدينة، الفتاة، القهوة، السحلفاة، حتى ماري، كل شيء ذاب في الهواء، تحوّلت الأصوات إلى خطوط وألوان تطير بلا شكل، الزمان ابتلع نفسه، ووجد نفسه يبتسم… بلا معرفة إن كان يكتب أو يُكتب، إن كان موجوداً أو مجرد فكرة.
اقتربت الفتاة من الفراغ، ثم تلاشت، تركته يلمس الهواء الذي صار صوته، وفجأة همس الزمن:
هل كنتُ هنا أصلاً؟
بما في ذلك نفسه، وصوت القلم ما زال يكتب، ولكن الكلمات لم تعد له… الفراغ ابتلع كل شيء.

هنا…
تتحوّل المشاعر إلى قصائد،
والأفكار إلى مقالات،
والأحلام إلى قصص.
أربع سنوات…
ومعاً سنكتب الفصل الأجمل.
شارك في دعم الكتابة الإبداعية


أضف تعليق