عبدالعليم الصيرفي
في قرية ريفية مترامية الأطراف من ريف مصر الجميل الهادئ، تقع وسط طريقين؛ طريق شرقي وطريق غربي، يقطنها مجموعة من الشباب في أعمار متقاربة.
يجتمعون كل يوم قبيل غروب الشمس، عندما يفرغ كل واحد من عمله ويعود كل فلاح من حقله، ليجتمعوا في جُرن واسع بجوار ترعة، فيقسّمون أنفسهم عدة فِرق للعب مباريات كرة قدم لا تمتّ للرياضة بصلة.
ومن بين هؤلاء الشباب شاب يدعى زغلول، طيب القلب صافي النية، أو كما يطلقون عليه “درويش”. تظهر عليه ملامح الطيبة والعفوية من خلال حواجبه المنكسرة إلى أسفل والتي ترسم رقم (8)، وبريق عينيه الذي يدل على أنها عين لا تعرف خبث الفلاحين ولا لؤم نوايا الشباب الماكرين.
صاحبنا زغلول ليس له في الكرة ولا يحزنون، لكنه يذهب إلى هناك على أمل أن يكون في أحد الفرق نقص في العدد، فيكمله، لتكون الشرارة الأولى في مسيرة الاحتراف.
هكذا كان يعتقد زغلول ويخطط، ويبدو أنّ هذا الاعتقاد ظهر في إصراره على الذهاب كل يوم للجُرن والجلوس على حافة الترعة منتظراً تخلّف أحدهم عن الحضور، ليكون البديل والورقة الرابحة للفريق المحظوظ الذي سيمضي معه عقد الاحتراف.
كان كل يوم يذهب وكله أمل أن يلعب، وأن تطأ أقدامه السِّلَّمة الأولى من مشوار الاحتراف، لكنه في كل مرة كان يعود إلى منزله بالشورت والفانلة والكوتشي غارقة في الماء.
فعندما كانت الكرة تطيح في الترعة، تنهال عليه الوعود والأماني من الشباب بانضمامه إلى فِرقهم، فيُصدق المسكين ويقفز في الترعة دون خلع ملابسه. ومع كثرة تكرار هذا كل يوم، فقدت ملابسه ألوانها، وتغير لون الفانلة من الأزرق إلى الرمادي، لأنّ ملابسه لم تجف على جسده أبداً.
ومع كثرة نزوله الترعة صار مثل “مايكل فيلبس”!
لاحظ الشباب الماكر قتال زغلول على اللعب، مع أنّ كل فكرته عن الكرة أنها على شكل دائرة، وأنها تطفو على الماء، وهو خبير بهذه المعلومة.
وفي يوم من الأيام ابتسم القدر لزغلول ليشارك لأول مرة في تاريخه، لا في وسط الملعب، بل في حراسة المرمى بجانب الترعة المفضلة لديه.
وعندما صُوبت الكرة نحوه، أمسكها بصعوبة بالغة، فكانت يداه معتادة على “منفلة” ماكينة الماء. وعندما أمسك الكرة تفلتت منه عدة مرات وسط ضحكات من الجميع، وأخيراً قام باحتضانها وظهرت على وجهه ابتسامة الفخر.
استغل الشباب هذا الموقف وأخذوا يُمجدونه وينفخونه، وأنه حارس موهوب. وكانت ابتسامته تزداد ويحاول إخفاءها لكنه مفضوح.
استغلوا طيبة زغلول فنفخوه بالهيليوم.
ومن الأقوال التي كانوا يرددونها له:
“لعيب يا زغلول – أسطورة – السد العالي”.
وكان لهذه الكلمات تأثير شديد على زغلول، فعشق الشاب الجُرن وصار لا يفوّت أي يوم. كما اشترى فانلة الحارس “بوفون” وتقمّص الدور، وصدق فقاعة الهيليوم.
وفي شهر رمضان، كانت القرية تُقيم دورة رمضانية في لعبة كرة القدم، وهذه الدورة يشترك فيها عدد كبير من الفرق من داخل وخارج القرية.

وقبل انطلاق الدورة، يبدأ شباب القرية بتكوين الفِرق، وكل فريق حريص على أن يضم خيرة شباب القرية في هذه اللعبة.
أوشكت جميع الفِرق على الانتهاء من ضم اللاعبين وتجهيز الصفوف، وزغلول لم يتلقَ أي عرض. كان يسير في الشوارع والأزقة مطأطأ الرأس، ويتعمّد الشباب أن يُسمعوه حديثهم مع بعضهم عنه قائلين:
“معقولة محدش أخد زغلول اللعيب الأسطورة؟ خسارة… ده لاعب موهوب!”
كنت أرى كل هذا بعيني.
وفي يوم، كان هناك رجل رياضي مدرب كاراتيه يُكوّن فريقاً، فتفاجأ أنّ الفريق الذي كوّنه ليس به حارس مرمى. بالمناسبة هذا المدرب كان لديه محل ملابس بجوار النادي الرياضي.
صار يسأل مجموعة من الشباب الذين يمرون عليه في ذهابهم للنادي عن حارس مرمى محترف، وبعد السؤال ساد الصمت وعمّ الهدوء، وبدأ الشباب ينظرون لبعضهم نظرات خبث ومكر ليقولوا له في صوت واحد:
“زغلول! الحق بسرعة، ضُم اللاعب زغلول لفريقك.”
أخذ المدرب يبحث عن زغلول ويسأل بقية الشباب في أماكن مختلفة، لتكون الإجابة واحدة:
“الحق خد زغلول.”
وبعدها بأيام قليلة مررت أنا بالمدرب في محل ملابسه، سلّمت عليه، فقال لي: “جمعت فريق للدورة، وباقي حارس مرمى.”
قلت له: “خد زغلول.”
نظر لي نظرة لن أنساها، نظرة استغراب وأيضاً اطمئنان، وفي نفس الوقت بدا أنّ إجابتي أزالت الشك والتخوّف من اختيار زغلول، قائلاً بنفس الجملة:
“إنت بتتكلم بجد؟؟ البلد كلها بتقولي كده!”
فقلت له: “زغلول لعييييب.”
وعلى الفور ضَم اللاعب زغلول للفريق.
وسريعاً جاء يوم المباراة، ليتفاجأ الجميع أنّ مدرب الكاراتيه وقائد الفريق لم يكن في التشكيلة الأساسية للفريق!
يا له من مسكين… لقد آثر وفضّل كل لاعبي الفريق عليه، بما فيهم زغلول، مضحياً بنفسه كي يفوز الفريق. كان يظن أنه أضعف لاعب، ففضّل دكة البدلاء.
وبدأت المباراة… في الحقيقة لم تكن مباراة، بل مسرحية كوميدية. كانت كل تسديدة على زغلول هدفاً، وأبدى زغلول تفوّقه الغريب والعجيب في التقاط الهواء… لا الكرة.
وبعد انتهاء المباراة بخسارة فريق المدرب بخمسة أهداف مقابل صفر، توجهت إليه قائلاً:
“لماذا لم تلعب من أول المباراة؟”
فقال:
“أنا اخترت فريق قوي، والبلد كلها شكرت لي في زغلول، فقلت لنفسي: أنا أضعف واحد فيهم وهكُون سبب الخسارة للفريق. فضحيت بنفسي من أجل الفوز. وحسبي الله ونعم الوكيل في البلد كلها”.


أضف تعليق