ناهد عبدالله أحمد القدسي
في وقتٍ متأخر من مساء ليلةٍ ديسمبرية باردة، كانت المدينة تغطّ في سبات عميق، خرج ذلك الشاب الصغير حافيَ القدمين، يرتدي ثياباً رثّة، أخذ يبحث عن شيءٍ ينام عليه ويتغطّى به، فلم يجد سوى قطعٍ صغيرة من الكرتون، ولعلها آخر ما جاد به كرمُ المدينة، أخذ يدثّر جسده النحيل تحت طبقات الكرتون، لا يعرف له من عمرٍ إلا ما كدّ عليه الزمن، ولا يعرف له من اسم إلا ذلك الاسم الذي أطلقته عليه البائعة عند الإشارة.
بدأت السماء تمطر، الجميع يركض إلى منزله، أمّا هو، فقد كان الرصيف منزله، والسماء سقفه، على تلك القطعة من الكرتون، كان صلاح يكتب فصول حكاية باردة، صراعاً مع الجوع، ومرارة الشفقة العابرة التي ترمقه من خلف زجاج النوافذ، ليس لديه دفءٌ سوى جسده الصغير المتكوّر، كجسد ذلك القط المشرد الذي يُقاسمه الرصيف.
في النهار، كان صلاح يتنقّل بجسده الصغير بين السيارات، يطرح بأصابعه الصغيرة على نوافذها، يعرض على السائقين مسح زجاج سياراتهم، مقابل بضعة قروشٍ يشتري بها ما يسد رمقه، فقد يقضي نهاره دون أن تنزل إلى معدته فتاتة خبز، سوى الماء، وأحياناً، يُسابق قطط الحي ليأكل من قمامة المدينة، وأحياناً أخرى، يُعطيه البعض النقود دون أن ينظروا حتى إلى وجهه، وكأنّ المال يطرد عنهم الإثم، وبعضهم يصرخ في وجهه، وينهال عليه بوابلٍ من الشتائم، وكأنّ وجوده جريمة.
أما في تلك الليلة التي أعقبت ذلك المساء، فلم يحصل صلاح على طعام، ولم يستطع العمل بسبب المطر المتواصل، حتى قمامة المدينة لم يكن فيها شيء من الطعام، رأى شاباً يأكل فطائر ساخنة لذيذة، نظر إليها ولعابه يسيل، ومن شدّة جوعه، ذهب به الجوع إلى مهالك المذلة، فطلب قطعة من الخبز لكن الشاب شتمه ونهره.
صمت صلاح، وصمته لم يكن دليلاً على الهدوء، كان صمتاً من الذلّ والانكسار، يمكن القول إنّ جرح المذلة كبّل فمه.
أغمض عينيه، ونام بعمق، مبتلاً، يرتجف من البرد والجوع، منكسر الجناحين، رحل بجسده الصغير إلى حيث الأمان والرحمة… غادر دون رجعة.
كتب على الحائط خلفه:
أطفال الشوارع ليسوا أشباحاً، إنهم بشرٌ لهم وجوه، وأسماء، وأحلام، وخيبات.


أضف تعليق