نجمة آل درويش

أغمضت عينيها وأخذت نفساً عميقاً، كأنها تتهيأ للقيام من تحت الركام.

سنوات طويلة، كانت المرآة ساحة محاكمة، والوجه فيها متهم لا يُبرَّأ.

أحبّت عينيها لأنّ خالها امتدحهما ذات يوم، وأحبّت جسدها الرشيق لأنه كان يُمدَح دائماً.

لكنها لم تُحب نفسها حقاً.

كانت تنظر إلى صورتها بأعين الآخرين، ترى ما يُسلَّط عليه الضوء، وتتجاهل بقيّتها.

“أنفك كبير.”

“فيكِ حبوب على خدّك.”

كلماتهم الصغيرة حفرت في قلبها شكوكاً كبيرة.

كبُرت هذه الكلمات بداخلها حتى غطّت على جمالها، على ما تحبّه فعلاً في نفسها.

لم يكن التحوّل سهلاً.

لم يكن لحظة سحر، ولا عبارة ملهمة تغيّر كل شيء.

كان طريقاً طويلاً.

قرأت كثيراً، حضرت دورات، درّبت عقلها على الثقة، وخاضت عالم العلاقات.

تأملت، أخطأت، تعثّرت، ثم تعلّمت.

وفي كل تجربة، كانت تضع مرآة جديدة أمام نفسها، أعمق من سطح الوجه: مرآة للعقل، للروح، للشخصية.

تدريجياً، فهمت أنّ الإنسان يستحق الحب لا لجماله الخارجي، بل لما يحمله في داخله.

وأنّ مقاييس المجتمع قاسية وخادعة، تصنع من الشكل مقياساً، ومن البشرة تذكرة عبور، لكنها لا تصمد أمام صمتٍ طويل أو محادثة عميقة.

أدركت أنّ الجمال الحقيقي هو ما يجعل الآخر يُنصت، يُفكّر، ويشعر بالدفء دون أن يعرف السبب.

أنك لن تُحب إنساناً لم تعرفه، ولم تلمس طاقة وجوده، ولم تُبهرْك ثقته بنفسه، وهدوء حديثه، وصدق لسانه.

تذكّرت قول النبي ﷺ:

“وإنّ من البيانِ لسحراً.”

نعم، هناك سحر في طريقة الكلام، في الحضور، في نظرة العين حين تتكلّم بثقة، في التفاصيل الصغيرة التي لا تُرى في الصور.

أصبحت تقف أمام المرآة بلا حُكم، بلا حاجة للتبرير أو الإخفاء.

بدأت تُحب نفسها كما هي، بعينيها التي رآها خالها يوماً جميلة، وبأنفها الذي لم يعُد مرآةً لنقص، بل جزءاً من وجهٍ حيّ، صادق، متصالح.

الآن، لم تعُد تحتاج إلى أن يُخبرها أحد بأنها جميلة.

صارت تعرف، تشعر، وتعيش ذلك الجمال الذي لا يُقاس بالعين، بل بالقلب.

وفي ابتسامة واحدة، بين المرآة وبين نفسها، أدركت أنها لم تعُد تكره أيّ جزءٍ فيها.

بل بدأت تُحبّها كلها، للمرة الأولى… بصدق.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق