سلطانه الغنام
قمرٌ هادئ يتسلل إلى سمائي،
جلست على الأريكة الخشبية،
والأغصان تتدلّى فوق رأسي كأذرع حانية.
الريح تعزف لحنها الخفي،
بين النسيم البارد ووجنتي،
وأمازح أوراق الأشجار الخضراء،
حيث أزهار في مقتبل العمر تفوح كهذيان عذب.
***
النافورة المزخرفة بالذهب والأسود،
يتدفق منها صوت الماء كتنهد قديم،
تمثال الطائر يحرس السر،
والجدران تتسلقها الجهنمية،
تغطي الصدوع، تمنحها حياة.
البخار يتكاثف على الزجاج،
وكل قطرة دمعة تهمس للروح.
***
ثم اهتز المكان فجأة…
دخل الرجل الغريب الأطوار،
أشعث أغبر، متسخ الملابس، شعره متشابك ككومة نفايات،
عيناه منطفئتان، وجسده هيكل بلا روح.
صرخته كخوار البقر،
الناس يتجمعون حوله،
بعضهم مستنكر، وبعضهم يناديه بالمجنون.
يتكئ على عصاه، يتثاقل، يسقط من ثقل الزمن.
***
عدت إلى بيتي القريب،
بدّلت ملابسي، نظّفت أسناني، سرّحت شعري،
ورششت عطر النوم على وسادتي وكتابي، وأضأت مصباحاً خافتاً.
فتحت نافذتي قليلاً…
وصوته، آخاذ، مبحوح، ندي، حزين ورقيق، يتسلل إلى مسامعي.
يغني بانكسار، يغني كجسدٍ يحمل العالم كله.
***
حينها فهمت سر حزنه:
في جسده تجثو أرواح الفقر والفقراء،
في فكره نامت آمال المتأملين المرتجية،
في قلبه أفئدة العاجزين الذين لا حول لهم ولا قوة،
في جسده سِرب الراحلين الذين مضوا دون وداع،
بين أجفانه تنام المأتم،
تضم تلك الدموع التي أرقّها ليل طويل.
***
بين ثنايا جسده مدن مهجورة…
متى يعود ساكنوها؟
لتُشعل شموعها وتدق طبول الفرح؟
فوق قبر الظلم والظلمة، تقف قدماه، يحمل هم أمته.
فخارت قواه، نحُل جسده…
لكن روحه ما زالت تغني،
تحمل الحزن، الفقر، الانكسار، والأمل معاً.
***
أطرقت برأسي متأملة، وهمست:
عزائي لك، أيها الرجل النبيل.


أضف تعليق