*هبة الله حمدي
قطعوا الأشجار من جذورها، فأي محاولة للتصالح مع وجود الإنسان على الأرض تبوء بالفشل!
تطلع الشمس فتكسو الأرض باللون الأصفر، وتخرج العصافير من أعشاشها لتملأ الكون زقزقة مبهجة، تعج أركان المدينة بضجيج البشر، وأنا أغلق النافذة وأحكم الستارة فوقها، وأحكم الغطاء فوق رأسي، لا أسمح للضوء أن يمر، يطرق شعاع الشمس النافذة، ومع ذلك لن أفتح النافذة للضوء.
الشمس كإله كاذب؛ لن تلبث إلا أن تأفل بعد ساعات، العصافير ما عادت تجد أشجاراً، بل حُبست في أقفاصٍ ليست كأعشاشها، فهي تزقزق احتجاجاً لا طرباً، وصخب المدينة مؤذٍ، البشر منافقون متملقون، لا أمان معهم، الأمان على فراشي، في جوف وسادتي، في ضمة دُبّي الصغير الذي رافقني منذ الطفولة حتى اللحظة، من الجيد أنّ الدببة المحشوة لا تموت ككل الأشياء الأخرى التي تموت.
أتلحّف بغطائي، أغمض عيني وأغفو، في المنام أرى صوراً مبتورة ومشاهد غير مكتملة، أصحو فأحكم النافذة وأحكم الغطاء، أطمئن إلى دُبّي الصغير وأتشرنق، ألتف حول نفسي، أصير كقطّ سمين على جانب الطريق، أحاول ألا أشغل حيزاً من هذا العالم، أن أقنّن استهلاك الهواء قدر المستطاع، أن أقلل عدد وجباتي كي لا أستنزف الكثير من الموارد، أطفئ المصباح غالب الوقت، وأعلم أنّ وزر وجودي لا تزيحه أي كفّارة.
من قال إنّ العالم يتسع لامرأة مثلي؟ أنا فائض عن الحاجة، زيادة غير مرغوب فيها، عبء يُرجى إزاحته، أنا لا أنتمي إلى المدينة: الهواء ملوّث، البشر منافقون، الطعام غير صالح، والأحلام في هذا العالم غير قابلة للتحقق.
المدينة لا أملك منها شيئاً: الشوارع للسيارات، الأطفال للدموع، النساء ليبكين، الطرقات للشحاذين والمنبوذين، وأنا ما زلت أملك غرفة صغيرة وفراشاً أثيراً دافئاً، هو وِجائي من عالم مفزع.
تتخبط الرياح خارجاً، تجاهد لتفتح النافذة، لكن النافذة غير مشرعة، لن أفتحها، يكفيني الهواء المسكوب في حجرتي، ولن أسمح لدعابة الريح أن تغريني، أنا هنا قانعة مكتفية، وكل زيادةٍ في غنى عنها.
*أخصائية العلاج الطبيعي، كاتبة شغوفة، قارئة، مهتمة بالأدب والعلوم.
أرى أنّ الأدب هو الطريقة المُثلى التي ابتكرها البشر للتعاطي مع مصائبهم دون أن يفقدوا روحهم.


أضف تعليق