سلطانه الغنام

المشهد الأول – مواجهة النفس

(بصوتٍ متهدّج، يقف على حافة الانكسار)

حسن:

هناء…

هل أنا البؤس، أم أنّ البؤس تشكّل بي؟

منذ أن قررتُ أن أفارقه،

وهو يلتفّ حولي كأفعى يقظة،

يتشبث بي كأنني ذنبه الذي لا يُغتفر،

كلما هممتُ بالخلاص… شدّني أكثر.

كأنّ قراري بالنجاة… أغضبه.

هل تسمعينني؟

أم أنكِ أصبحتِ الصمّاء البكماء؟

أم أنّني…؟

أتحدث إلى طيفك لا إليك؟

كأنكِ لم تعودي هنا،

وأنا… أكرر الحديث لنفسي

علّي أسمع صدىً يعيدني إليك.

(يصمت، كأنّ صمته سؤالٌ آخر)

المشهد الثاني – رد هناء

(تتنفّس ببطء، صوتها ينساب كنسمة فجر، لكنه يمضي عميقاً كأنه يعبُر صدره لا أذنه)

هناء:

حسن…

من منا وُهِبت له حياةٌ خالية من الكدر؟

من نجا من النقص؟ من الفقد؟ من الوجع؟

حتى الأيام التي تبدو مُزهرة،

تحمل في عمقها شوكةً ما…

غير أنّ البعض يأبى إلا أن يسكُن تلك الأشواك،

يُنوح حولها،

يُقيم عليها مأتماً،

كأنّ العالم خُلق ليخذله وحده.

وهناك من يقبع خلف جدران فكرة،

يتغذّى على وهمٍ صنعه بنفسه،

يُقيّد روحه ويُجهد قلبه،

ثم يتساءل: لمَ الحياة ثقيلة؟

(تتوقف لحظة، تنظر إليه نظرة هادئة… ثم تتابع)

لكن…

ثمة من يختار الطريق الآخر.

من ينفض الغبار عن كتفيه،

يُلقي بأوجاعه خلف ظهره،

ويمضي.

يبحث عن النور لا لأنه يراه،

بل لأنه يؤمن أنه هناك،

ولو بعد حين.

من عمق الكسر، يُعيد تشكيل الجبر،

ومن سواد الأيام،

يخلق بياضاً لا تراه العيون إلا حين تهدأ.

إنه يُكابد، نعم…

يُعاني، لا يُنكر…

لكنه يُحسن الظن،

لأنه يعلم جيداً،

أنه مذ وُلد،

وهو تحت عينٍ لا تنام،

وفي رعايةٍ لا تُقارن.

يبذل الأسباب،

يتوكّل،

ثم يمضي…

خفيفاً،

يرتّب فوضى قلبه،

ويقهر الظروف لا بالجبروت، بل بالرضا.

لأنه يعلم:

أنّ الرضا… أعظم ما يمكن أن يُهديه الإنسان لنفسه.

المشهد الثالث – الرد الساخر لحسن

(بضحكة ساخرة، يهز رأسه، يتمتم بتهكّم)

حسن:

“أمـممم… من أي كتابٍ خرجتِ؟

ومن أي فلسفةٍ وُلدتِ؟!”

أنا لا أعرف شيئاً عن تلك الهرطقة التي تتكلمين بها.

أما أنا…

فرُوحي التي فطرها الله تتألم وتتعب،

أنا أبذل كل ما في وسعي، كما ترين…

لكنني لا أرى لجهدي ثمرة واحدة،

لماذا؟!

المشهد الرابع – هدوء وعبث الحياة اليومية

حسن:

“حسناً يا هناء، اصمتي كيفما شئتِ، لا أريد جواباً”

(بنبرة متغيّرة، يمشي نحو الباب)

“هل صنعتِ لنا الفطور؟ أتمنى ألّا يكون البيض المسلوق أيضاً اليوم…

سأتحوّل إلى دجاجة قريباً!”

(هناء، بنظرة متهكمة تخطف بها عينيه)

هناء:

سيدي…

الثلاجة التي ملأتها بكل ما لذّ وطاب،

لا يُعقل أن تنتج كل يومٍ طبق بيض مسلوق فقط…

ثم، هناك من لم يجد كسرة خبز… ولا شربة ماء.

لو كنتَ تحمد وتشكر… لرُزقت.

(يعلو صوت ضحكات حسن)

حسن:

“تموتين إن لم تتكلمي في هذه المواقف!

حسناً سيدتي العزيزة، لا بأس…

من أجل عينيك، سأأكل البيض.

وسأخدع عقلي الباطن…

أتخيله لحماً مشوياً؟ لا، ذلك عشاء.

فطوراً؟ بان كيك… نعم، والعسل يتقاطر عليه،

وشرائح الفراولة…

رغم أنكِ موجودة، لا داعي لتخيّل العسل…

أنتِ تكفيني، لا داعي للإسراف!”

(تبتسم له… ثم تكسر بيضة في منتصف جبينه، تقشرها بهدوء، وتملأ بها فمه الثرثار.

تسكب له الحليب الدافئ، ويبدآن الفطور بعد معركةٍ تتكرّر كل صباح…)

المشهد الخامس – المغادرة والدوّامة

كعادته، يقف على قدمٍ ويرفع الأخرى،

يحاول ربط خيط حذائه بينما يقفز من مكانٍ إلى آخر.

الساعة تجاوزت موعد دوامه بنصف ساعة،

وتلك المعاملات المتراكمة فوق مكتبه تتخيّله أكثر مما يتخيّلها هو.

يتنهد، يلمح انعكاس وجهه في مرآة المدخل…

عينيه المتعبتين، شعره المشعث، ربطة عنقه غير محكمة…

ويتنهّد مرة أخرى.

يلتفت لهناء وهو يفتح الباب:

حسن:

“هل تريدين شيئاً أثناء عودتي؟

أي شيء… سوى البيض، رجاءً!”

(يضحك، يتابع دون أن ينتظر الرد)

“ليس الآن وقت الاختلاف،

لكني أشتاق إلى تلك المشاكسة على الريق…

وداعاً، وقبلاتي”

المشهد السادس – انتظار في غيابه

ما إن أُغلق الباب، حتى سكن المكان فجأة.

حسن الذي خرج… كان كطفلٍ تائهٍ في يدَي امرأة تعرف كيف تهدهده دون أن تربّته.

أنهت هناء ترتيب المنزل،

أعدّت له وجبة غداء يُحبها، قدر ما تسمح به الإمكانيات،

ثم صنعت طبقاً صغيراً من الحلى،

وارتدت أجمل ما تملك، عطّرت زاويتها المفضّلة،

وغاصت بين صفحات كتاب لم تقرأه بعد،

وقهوتها التي خفّفت بها طول الانتظار.

تبقّت أربع ساعات على عودته…

تقضيها ما بين الصبر… وشيء من الحنين.

المشهد السابع – في مقر العمل

في المقابل، حسن هناك… وسط زحمة أوراق،

وضجيج موظفين،

وصوت رئيسه البريطاني يلاحقه حتى في خياله.

يتخيّله يقول له بجُملته المعتادة، بنبرة باردة:

“أين المعاملة، مستر حسن؟ لقد طلبتها مراراً”

ويُفتح الباب بعينين زرقاوين صارمتين،

وشعرٍ أشقر مموّج، وبدلة زرقاء أنيقة، وقميص أبيض مكويّ بعناية.

الرائحة التي تسبق ظهوره لا تخطئها أنف حسن، عطر بريطاني هادئ لكنه حاد.

الرئيس (بصوت حاسم):

“مستر حسن…

لقد طلبتُ منك المعاملة مراراً، وأنت تتجاهل.

لذلك، عزيزي… سيتم نقلك من هذا القسم.

فأنت لا تستطيع تحمّل مسؤوليته”

(حسن يتراجع خطوة، يرفع رأسه مصعوقاً)

حسن:

“عذراً سيدي،

أتأخر أحياناً، نعم، بسبب ظروف،

لكني أعدك أن…”

الرئيس (يقاطعه ببرود):

“لقد تقرر الأمر، عزيزي.

الأمور ستكون على ما يُرام”

حسن، في محاولة أخيرة:

“لكن… مستواي التعليمي، شهاداتي، سنوات خبرتي…

كلها أعلى من أن تضعني في مكان كهذا!”

الرئيس (يرد بابتسامة باردة):

“وماذا أصنع بإنجازاتك،

وأنت تؤخر صفقاتي؟

لقد خسرت وقتاً… ومالاً… بسبب تأخيراتك المتكررة.

يؤسفني أنني في موقع لا يسمح لي بقبول أعذارك بعد الآن”

المشهد الثامن – لحظة القرار

بعد مرور عشر دقائق،

كان حسن قد قرر.

لا مفر من العزّة حين تُجرح الكرامة.

يطرق باب الرئيس، يُسمح له بالدخول، يدخل منتصباً كأنه أعلن التمرّد.

حسن (بصوت حازم):

“سيدي، أودّ أن أُبلغكم برغبتي في الاستقالة… بدلاً من الانتقال إلى قسمٍ لا أراه يليق بي”

الرئيس (بهدوء مشوب بالسخرية):

“إن كان ذلك يرضيك، فـلا مانع، مستر حسن.

عملي سيستمر…

وأنت… ستأخذ مكانك في الحياة، كما تشاء.

تمنياتي الطيبة لك،

وحقوقك ستصلك في أقرب وقت”

(يخرج حسن، يرفع رأسه،

وفي عينيه بقايا غضب مختلط بزهوٍ متكلف.

كل شيء فيه يقول له: “لقد خسروك…”

لكن في الداخل،

كانت خيبةٌ نائمة تُصفّق لنفسها،

تتنكر بثوب انتصار مؤقت،

حتى لا يشعر بالذنب)

المشهد التاسع – عودة تُشبه الهروب

يرتجل حسن سيارته في الطرقات كمن يهرب من فكرةٍ تلاحقه.

يرفع صوت المذياع، لا حباً في الموسيقى، بل حتى لا يسمع صوته الداخلي وهو يوبّخه.

الشمس تضغط بثقلها، والعرق يسيل على جبينه،

يتذكر فجأة أنه وعد هناء بالمرور من السوبرماركت.

أمرٌ صغير… لكنه كافٍ ليؤجل العودة.

إنه لا يريد أن يصل مبكراً،

كي لا تكتشف بعينيها الحادتين… فشله.

لا يريد منها عتاباً،

ولا أن يراها تركض نحوه قلقاً فتسأله:

“هل كل شيء على ما يرام؟”

لأنّ الجواب هذه المرة… لا.

يدخل المتجر ويجمع أشياء تُشبه هناء أكثر مما تشبهه:

ـ بعضٌ من إكليل الجبل،

ـ قطعة شوكولاتة فاخرة،

ـ قهوة بالبندق، كما تحبّها،

ـ قليل من الخضار، وبعض الفاكهة.

(يهمس لنفسه وهو يدفع الحساب)

“هذا يكفي… لتُزهر القليل من المال،

حتى يتحسّن الحال… لاحقاً”

المشهد العاشر – في حضن التفاصيل

يصل إلى باب البيت،

وإذا بسحر هناء يتسلّل من الشقوق.

روائح شرقية وأخرى غربية،

شيء من الهيل… لا شكّ أنها قهوة عربية.

يدور المفتاح بهدوء…

يفتح الباب.

وفي أوّل المشهد، كانت هي.

هناء… نائمة على الأريكة،

ساقاها الدقيقتان ممددتان بخفّة طفلة،

كتاب مفتوح على صدرها،

وسماعة رأس تُخفي أذنيها،

فستان أبيض ناعم،

نظارة القراءة مائلة فوق إحدى عينيها،

والأخرى منسجمة مع النوم،

وفي طرف شفتها… بقايا قطعة شوكولاتة كأنها شهد.

(يبتسم، يغلق الباب بلطف،

يضع الأغراض على طاولة المطبخ،

ويمضي ليستحم ويبدّل ثيابه)

المشهد الحادي عشر – دفء لا يشبه أحداً

في تلك الأثناء،

كانت هناء قد استشعرت وجوده.

تُزيح سماعة الأذن،

تفرك عينيها،

وتسرّح شعرها الجميل،

ثم تثبّت وردة صفراء صغيرة على طرفه.

تسخّن الطعام،

تضع طبقاً من السلطة الإيطالية،

بعضاً من مرقة اللحم،

أرزاً أبيض ناعم،

وخضاراً بالبخار.

(حسن يخرج من الغرفة،

كل شيء فيه مرتبك إلا عينيه،

تتجولان في زوايا البيت كما لو أنه افتقده منذ زمن)

فمهما ساءت الظروف في الخارج،

كان في البيت حضنٌ دافئ…

يجبر كل كسرٍ نُسي هناك.

الخاتمة – بين الانكسار والاحتمال

الحياة… لم تكن يوماً على قياس أمانينا، ولا على إيقاع قلوبنا.

فيها ما يوجع، وما يُربك، وما يدفعنا أحياناً إلى شفير الانكسار.

لكن، وسط كل هذا، ثمة تفاصيل صغيرة تحفظ للإنسان شيئاً من اتزانه:

ضحكة ساخرة على مائدة إفطار، بيضة تُكسر فوق الجبين، عطر قهوة يسبق صاحبه،

عينان متعبتان تعودان كل مساء لتجدَا حضناً يُرمم ما هدمه النهار.

قد يخسر المرء عملاً، أو يتراجع حلم، أو يخذله واقع قاسٍ،

لكن إذا بقي قلبه متعلّقاً بمن يسكب عليه دفء الرضا،

فإنّ الهزيمة لا تكتمل، والانكسار لا يدوم.

ولأنّ الشراكة في الحياة لا تقوم على الأيام المزدهرة وحدها،

بل على لحظات الانكسار أيضاً،

فإنّ كل زوجين لا بد أن يكون كل منهما سنداً وملجأً وأماناً للآخر،

كي يواجها معاً قسوة الظروف، ويكسبا معركة البقاء.

وهكذا، بين صخب الخارج وهدوء الداخل،

بين وجع اللحظة وأمل الغد،

يبقى الإنسان مُعلّقاً بخيطٍ لا يُرى…

خيط اسمه: الرضا.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق