فتاة حزينة ذات شعر أسود مع دماء تسيل من عينيها وفمها على خلفية مجردة ملطخة بالأحمر.

آلام رحمة بين الركام لا تهدأ ولا تنام

حسام الدين أبو صالحة – مصر

رحمة وُلدت من أحشاء الجراح، طفلة غزّية منحتها الأقدار اسماً يفيض عذوبةً، ويتلألأ سماحةً، ويحاكي في رقّته أنهار الصفاء إذا لامست جبين النخيل، وسكون الليل إذا داوى جرح العليل، ونسيم الفجر إذا جفف دموع ليلٍ كليل، يسكب عبراته المرّة، وينسج آلامه الحارّة، ويرصّع معاناته القارّة في كتاب السنين، بأنّات صارخة، وآهات صادحة، بمداد من صبر، وأسطُر من دهر، وحبر من دماء سالت وما زالت تسيل.

رحمة، ما أقدس الاسم حين يُنادى!

ما أبهى المعنى حين يُهادَى!

أنا رحمة ضنّت بها البشرية، وافتقرت لها الإنسانية حتى ندر مثلها، وعزّ نظيرها، فصِرت رمزاً لرحمة ولّت من القلوب، وشفقة غابت عن النفوس بالخُطوب، وإنسانية ضلّت في متاهات الدروب. لكنني الظل الباقي حين غابت شمس الإنسانية عن الأفق، وحين خَسَف القمر من صفحة السماء بلا رفق. فأنا المعنى الذي يُكفَّن كل يوم في نعش المذابح، ويُدفن تحت ركام سافح.

أنا طفلة لمجاز حيّ بليغ عن حقيقة مفقودة لتشرذم الفصائل، ورمز خالد لما تناثر من فضائل.

أنا طفلة عربية، وهذه دميتي، وتلك قصتي، تدور بلَهَب الصيف الحالِك، وزمهرير الشتاء الهالِك. فما بين الأمس واليوم أحداث تتوالى، ونوازل تترى، وتتعالى، هو ذات المشهد المعهود الذي ينخلع له القلب، ويدمي العين انفطاراً؛ لدوي انفجارات، وحطام، وجبال ركام، وتلال أشلاء، وأبحر دماء.

جلست رحمة ذات يوم لافح حين أفاضت الشمس بفيض لهيبها، فالجو معبّأ بالصهد كأنّه قنبلة نُزع فتيلها، أو بالونة امتلأت بالهواء حتى حان انفجارها. فالهواء ساخن إلى حدّ يحترق معه العمر، كغصن يلامس نار قصر من خشب. وما بين الأمس واليوم سوى سلالم زمن يهتزّ، وتنهَمر أحداث كأنها أمطار رماد لا تنقضي. وكلما دار البصر رأى القلب ينخلع من وجله، وكلما صمت القلب من أناته سُمع وقع قطرات العين وهي تدمع دماً، إنّها صرخة مكتومة تضاهي دوي انفجارات، بوجوه تذوب ذوبان الملح في الماء، وبيوت تنهار كأصداف فارغة على شاطئ موت مفاجئ.

هي تلك الصورة قاتمة الاحمرار من سيلان الدم الناقع فيها، المتقاطر منها بذات المشهد المألوف لنا المحاكي سلفاً بنا، صورة واحدة ما زالت تتكرر كل لحظة في ذهنها، تراها دائماً بعينها كلوحة مسروقة من معرض لصوص العالم القميء، كقصة صمود حفرها البحر على رماله ثم جاءت ريح عاتية فمحَتها دون شفقة، أو عذر. ثم أعاد البحر رسمها مرّة أخرى في مكان مختلف، ففعلت الريح العاتية ما فعلته سلفاً، وهكذا رسم آمالٍ، ومحو بصبّ آلامٍ.

أنا عربية، ولست صفراً مهمَلاً؛ لم ترحم الأنجاس تعريف هويتي، ولم يفرق معها نوع ديانتي: مسلمة أم مسيحية؟ كل ذلك مجرد خردة أمام آلة القتل التي صدرت أوامرها، فلا تعرف حدوداً للقتل، والتنكيل، والتشريد، والتجويع؛ لأزيز الطائرات، وفرقعة الصواريخ، وطلقات البنادق التي تبذر الموت في كل حدب وصوب. لقد صارت لغة أعِيَها تماماً، وأفهمها عياناً، فتعلّمني دروساً كل يوم؛ أنّ العالم قاسٍ في اسمه، كريه في نفسه، قميء في رسمه، فظّ في سمته. لا مكان فيه للضعيف، ولا يعلم إلا منطق القوة، ولا يسمع سوى صوت المجنزرات والعدة.

طفلة صغيرة ذات شعر أشعث جالسة في أرض قاحلة مليئة بالأنقاض، تحتضن دمية أرنب قديمة بإحكام، مع تعبير من اليأس والحزن الشديد على وجهها وسط خلفية ضبابية مدمرة.

أنا طفلة لم يخطّ بي القلم، ولم يسجَّل لي فعل بقدر، فلم أجتز الحُلم، لكن رُسمت خطوط سيري على جبين الزمان بمداد من دماء وأشلاء. لقد مات حولي كثيرون، والباقي بصفوف العدم ينتظرون، أناس كانوا لحناً في فمي، ودفقة في دمي، وابتسامة على شفتي، وإشراقة في صباحي، وطيوراً في سمائي، ونوراً بعيني. لم يبقَ لي سوى دميتي، شهادة صامتة على طفولتي المهدَرة، وسنوات عمري الضائعة ببيتٍ تلاشى كالفصل الأخير من قصة لم يُكتب لها أن تكتمل.

لم تجد رحمة ممن يسمع أنّها، أن يثور حين يُبصر ألمها، سوى دميتها الصامتة. لكن صمتها بنظرها كان أخْيَر لها من ألسنة ابتُلعت حين الكلام، وأيدٍ انكفّت بدعوى السلام، فأخذت ترثي حالها بقولها:

“أيا دميتي، ما عاد شملي جامعاً لأبٍ، وأم، وإخوة، حتى جدتي؛ قد صار كلي مبعثراً، حتى السعادة أضحت حلماً مغنماً

أيا دميتي، أتحسّين وحدتي، وتناثر بيتي، وشِقوتي؟

أيا دميتي، أتحسّين بقطرات عيني الواقعة؟

أتدرِكين نبضات قلبي المسرعة؟

أتحسّين بالتواء بطني الجائعة؟

أتشاهدين كل حياتي الضائعة؟

أيا دميتي، كان بيتي مشيَّداً، كم لعبنا فيه معاً؟ كم حكيتُ لك قصة الذئب المخادع، والنعاج المبعثرة؟ ألم يأكلها واحد بعد أختها؛ لأنها كانت متنافرة؟

يا دميتي، تلك النعاج ألقت نفسها؛ لتحتمي من أختها بحضن ذئاب ماكرة. قد آثرت كل النعاج حضن الذئاب لبأسهن، فأُكِل الجميع بجهلهن. يا نعاج، بجهلها نسجت خيالاً وخاطرة، طمست عداوة كانت تعنّ بذاكرة. يا نعاج صارت لخير ناكرة.

يا دميتي، أتجود الذئاب برحمة؟ أم تعطي الفضيلة امرأة ظلّت عاهرة؟”

يا رحمة طالت فاستطالت، أفيقي من غفوة، أو استفيقي لكبوة قبل أن يُمحى أثرك، ويُزال من النسيم عبقك، فتغدو الإنسانية لحناً عابراً لا يُقرأ إلا في كتب الذكريات.

فوق حشية رثّة، دام جلوسي بظلمة، ووحدة، وأنا أنقّب بالركام علّ التراب يُفصح لي عن إخوتي، وأب، وأم، وجدّة كانوا كل محبّتي.

صمت التراب، ولم أجد سوى تساقط دمعتي فوق جبهة دميتي.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق