طيور تحلّق قرب جدار متصدّع تغمره ثقوب الرصاص، في مشهد يجمع بين الذاكرة الجريحة ورمز الحرية.

هنا مقبرة، وهنا ميلاد

إسراء سلامة

ها هنا نافذةٌ
مشرعةٌ على الخراب،
تتظاهر بالشمس صباحاً
لكنّها في الليل
مرآةٌ للدم.

ها هنا نافذةٌ
تطلّ على شارعٍ
لم يتبقَّ منه سوى رائحة البارود،
وأحلام أطفالٍ
أُوقِفَتْ عند السطر الأوّل.

ها هنا جدارٌ
مثقوبٌ بالرصاص،
لم يسقط بعدُ
لأنّ العصافير
تحتاج مكاناً لتقف عليه
وتتذكر أنّ لها أجنحة.

ها هنا جدارٌ
يكتب على نفسه:
“أنا لستُ صخرةً محايدة،
أنا لحمٌ يحفظ دماً،
أنا ذاكرةٌ أُجبرت على الصمود.”

ها هنا حفرةٌ
لا تُشبه الحفر الأخرى،
إنها فمٌ يبتلع الغياب
ويعيده هواءً فاسداً،
حفرةٌ تنتظر أن تُردَم بالحب
لا بالركام.

ها هنا حفرةٌ
تُزيَّن بلافتاتٍ إنسانية
مكتوبةٍ بألف لغة،
لكنّها تُقرأ دوماً
بصوتٍ واحد:
صوتُ الخوف من الحقيقة.

ها هنا مقبرةٌ
لكنّها أيضاً ميلاد،
لأنّ الأرض لا تعرف أن تموت،
ولأنّ الجذور، مهما قُطِعت،
تبحث عن ماءٍ سريّ
وتعود.

ها هنا مقبرةٌ
يُعلَّق عند مدخلها
شعارٌ مضيءٌ:
“كلّ شيءٍ على ما يرام”،
بينما الحجارة
تتعانق مع صرخاتٍ صامتة
تخرج من تحتها.

ها هنا، دائماً هنا،
صوتٌ يخترق السماء،
يقول: لن تنفعكم هدنةٌ عابرة،
لن تُعيد الطيور أجنحتها
إلا حين يسقط الحديدُ كلّه
ويعود الهواءُ
نقيًّا كأوّل ولادة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق