أحمد سعد*
إنها الثانية بعد منتصف الليل، وها قد أبت تلك العينان الرماديتان العسليتان أن تستجيبا لذلك الجسد الواهن الملقى على فراشٍ وحيد داخل استراحتي المتواضعة بإدارة العمليات الخاصة، بعد يومٍ طويلٍ شاق بدأ منذ السادسة صباحاً على صوت ذلك المنبّه ذي الجرس الذي لطالما اعتبرته موقظاً للأحياء والأموات على حدّ سواء.
أشعر بألمٍ يعتصر قلباً أضنته الذكريات الكثيرة.
وها هي تلك الذكرى تعود، لذاك الوجه الباسم الباكي.
هل جنّ جنوني حتى أصف وجهاً بصفَتين هما التضاد بعينه؟ أم أنّ عينيّ رأتا ما لا يوصف بغير هذا التضاد المستحيل؟
ثم كيف أكتب الآن وقد اغرورقت عيناي ولم أعد أجد للحروف سبيلاً؟
ها أنا أسترجع ذلك اليوم الذي تعرّف فيه قلبي الصلد على تلك الأم الحنون، التي أقل ما يُقال عنها إنها جسدٌ يحيا بلا روح، وعلى ذلك الأب الذي لم يعد يكترث للحياة، بل أضحى في انتظار ذلك الملك هادم اللذات ومفرّق الجماعات.
الزمان: العاشرة صباحاً من يومٍ صيفيٍّ مشمس.
المكان: مستشفى هيئة الشرطة.
الأبطال: ثلاثة تجمعهم الصدفة: ضابط شاب يرتدي الزيّ الشرطيّ للعمليات الخاصة، امرأة عجوز حنون أعياها الحزن واستندت على عصا هي سندها من السقوط، وشيخ كبير تبدو نظرات الحزن جليّة في عينيه الواسعتين.
تبدأ اللقطة أمام الكاونتر الخاص بقسم الأشعة داخل المستشفى:
امرأة عجوز تستند بذراعٍ على الكاونتر، وبالذراع الأخرى تمسك عصاً خشبية تحُول دون سقوط جسدها الضعيف على تلك الأرض القاسية. ويدور بينها وبين موظف الحاسب الآلي الحوار التالي:
الموظف: طلب الأشعة بتاعك ما نزلش من العيادة على السيستم لسه.
العجوز: طب أعمل إيه يا ابني؟
الموظف: للأسف لازم ترجعي للعيادة تاني.
العجوز: بس أنا مش قادرة أطلع يا ابني.
وهنا يتدخّل ذلك الضابط الشاب:
الضابط: هاتي يا أمي التذكرة بتاعتك، وأنا هخلص لك كل حاجة، ما تقلقيش… اقعدي استنيني هنا.
ثم يجلسها على المقعد المخصص للانتظار، وينصرف حاملاً قصاصة الورق الصغيرة الخاصة بعيادة العظام.
ما هي إلا عشر دقائق حتى عاد الضابط وقد أنهى كافة الإجراءات الخاصة بالعجوز، لكنه وجدها جالسة وقد أسندت رأسها ذي الشعر الأبيض الذي يطلّ من مقدمة حجابها على يدٍ واهنةٍ مليئة بالتجاعيد، شاهدة على ستين خريفاً مضت.
الضابط: خلاص يا أمي، كله تمام، وطلب الأشعة نزل على السيستم.
العجوز: تسلم لي، بس أنا مضطرة أطلع الدور التالت علشان في تحاليل تانية مطلوبة دلوقتي.
الضابط: طب يلا، هاتي إيدك نطلع سوا، وبعدها أنزل أخلص اللي بعمله.
العجوز: بس أنا كده هتعبك معايا يا ابني؟
الضابط: ما تقوليش كده يا أمي، يلا بينا علشان ما تتأخريش.
وهنا يحاول قلمي وصف تلك اللحظة: ضابط شاب يأخذ بذراع امرأة عجوز تستند بذراعها الآخر على عصاها، بينما تتعلق عيناها الذابلتان بتلك الرتبة التي تعتلي كتفه.
ثم تنطلق تلك الجملة التي – مهما أقسمت – اعتصرت قلباً لطالما أظهر الجَلد والصمود، ولن أستطيع أن أصف وقعها:
العجوز: أنا ابني كان زيك، بس هو استشهد. وقال لي: “لو حصلي حاجة، زمايلي الضباط هيعملوا معاكي زي ما أنا كنت هعمل معاكي بالضبط.”
لا أدري كيف استطعت كبح تلك الدموع، لكني أعتقد أنّ خوفي على تلك العجوز من الانكسار هو ما روّض عينيّ.
الضابط: يا أمي، أنا تحت رجليكي في أي وقت، ومن النهارده أنا بقيت موجود لحد ما ربنا يريد.
العجوز (بعينين دامعتين): ربنا ما يحرمنيش منك أبداً يا ابني.
وتستمر الرحلة بالرفيقين حتى الدور الثالث، وهنا تأتي الضربة القاضية لذلك القلب مدّعي الصمود.
يخترق المشهد شيخٌ كبير ذو لحيةٍ غير مهذبة، وعينان نائمتان تنظران إلى الضابط والعجوز نظرةً لا تُنسى حتى لقاء وجه رب كريم.
العجوز (بحزنٍ بريء): هو مش زي ابننا برضه؟
الشيخ: أيوه، على فكرة يا ابني، أنا ابني كان زيك… بس استشهد.
وهنا تذرف القطرات التي أبت الظهور طويلاً صوناً لهيبة ذلك الزيّ الشرطي، الذي يتوسطه شريان الحياة وتتقاطع أسفله بندقيتان – تفاصيل شعار العمليات الخاصة.
ولصونِ ما تبقّى من تماسكٍ، قرّر الضابط أن ينصرف من المشهد قبل أن تخور قواه، فطلب أرقام هواتف العجوز والشيخ، معاهداً الله أن يكون السند والدرع الواقي لهذين القلبين اللذين تحطما على صخرة الفراق.
ولن أُخفي أنّ عقلي قد صوّر لي في تلك اللحظة والدي بعد أن لحق بابنه البار، وصدقت ما عاهدت الله عليه، فلم أستطع الصمود دون أن أخفي عيناي خلف المنديل الأبيض.
وها أنا اليوم أوفي بالعهد الخفي بيني وبين خالق البرية، وأحاول جاهداً أن أكون السند القوي لتلك القلوب الواهنة.
لكنّي لن أترك كلماتي تَشوبها المنّة بالحديث عما يدور بيني وبينهم في الخفاء.
وها قد جاء وقتُ هروب قلمي بمِداده إلى وقتٍ آخر، ولقطةٍ جديدة من تلك اللقطات التي شكّلت حياة ذلك الضابط ذي الزيّ الشرطي.
*حاصل على ليسانس الآداب – قسم اللغة الإنجليزية


أضف تعليق