محمد الصغير

بدا المخيم كأنه جرحٌ مفتوح، بالكاد تتماسك خيامه، أشبهُ بندبةٍ، تُرمى إليها رمياً أو تُقذف منها إلى العراء. دفعني عمّي أمامه، ومن خلفنا كان موظفُ الإغاثةِ يمشي بإرهاقٍ واضح، يجرُّ حقيبته بتثاقل، كأنه أدرك اليوم فقط عبثية عمله في توزيع الخيام.

قال بلهجةٍ مستعجلةٍ تُنهي أيَّ نقاش:

– بالرقمِ الذي سُجّل لكم، لا مجال للاعتراض. هنا أم لا شيء؟

قلت: “هنا”، بدلاً عن عمّي. التفت إليّ بدهشة؛ فهو لم يعتد أن أتخذ قراراً بدون أن يُستشار، كنت أُوصَفُ بالهادىء. لكن بعد أن هضم دهشته، همس بترقّب:

– هل وجدتَ شيئاً أعجبك؟

– نعم.

– في هذا المكان البائس؟

– ذلك المفتاحُ المعلّق على القماش.

نظر عمّي إلى المفتاح القديم وتنهّد. إنه بحاجة إلى أيِّ إشارةٍ تُعينه على قبول العيش في خيمةٍ كهذه.

كان المفتاح لبابٍ مفقودٍ في مكانٍ ما، معلّق داخل كيسٍ قماشيٍّ ومثبّت بخيطٍ. على سطحِ المفتاحِ صدأ، لم أعتد رؤيةَ مثلِ هذا الصدأ في أيّ من الأشياء التي حملتها طوالَ رحلة الهروب. لا لمعانَ معدن، ولا بريقَ أمل، بدا قديماً حتى آخرِ ذرّةٍ في تكوينه، قديماً مثل ذاكرة، لم يُستعمَل منذ زمن طويل.

أعرفُ كيف يبدو شكلُ المفتاح المستعمَل؛ لطالما تأملتُ مفتاحَ بيتنا القديم في يد أبي. يتآكلُ طرفُه قليلاً، وتتعمّقُ الخدوشُ فيه كلما فتحَ بابَنا مرّة، وتهتزُّ الأسنانُ المعدنيةُ في نهايته كلما أدارها في القفل. شكلُه يتغيّرُ كأنَّه يحكي قصّة، أو يشهد، أو يتذكّر، أو ينسى. يبدو كأيّ شيءٍ حيٍّ لأنه يتغيّر مع الاستخدام. وإن حصل أن انكسرت سنّةٌ منه، فإنّ البابَ لا ينفتح. كنتُ أسأل أبي عن مفتاحِ بيتنا، فيردُّ بحزن: “مفاتيحُ المنفى لا تُفتح بها أبواب”.

أغلق الموظف ستار الخيمة علينا، وبينما راح عمّي يرتّبُ الأغراضَ القليلة ويلعنُ مصيرنا القاسي، وقفتُ أتأملُ المفتاحَ على الجدار القماشي. معدنُه ثقيلٌ وقديم، يبدو من حقبةٍ غابرة، وهو معلّقٌ بوضعيةٍ أفقية. جسمُه داكنٌ ومغطّى بطبقةٍ من الصدأ، رأسُه دائري، ثقبُه واسع، عنقُه طويل، أسنانُه غيرُ منتظمة كأنها نُحتت يدوياً. لونُه بنّي محمرّ، يحملُ آثارَ أصابعٍ كثيرةٍ لمَسته على مدى سنين، ومن حوافّه تتساقطُ حبيباتٌ صغيرةٌ من الصدأ، تبدو في سقوطها أقربَ لدموعٍ معدنيةٍ منها للصدأ. وثقلُه روحيّ أكثر منه ماديّ، علامةٌ محفورةٌ على ظهره تُشيرُ إلى صانعٍ مجهول، ومن ثقبه يتدلّى خيطٌ، ملتفٌّ بإهمالٍ من دون عناية. أمّا أسنانُه، فمصمّمةٌ لباب واحد فقط في العالم.

لم يكن يُشبه أيَّ مفتاحٍ عاديّ، ومع ذلك شعرتُ بانتماءٍ عميقٍ له.

كانت الخيمةُ من قطعة قماش واحدة فوق أرضٍ موحلة، لها فتحةٌ تُغلَق بسحّاب، يمكن من خلالها رؤيةُ صفوفِ الخيام الأخرى، لا السماء ولا الأفق. إنها أضيقَ فتحةٍ أراها في حياتي، مجردَ شقٍّ في القماش، لا أكثر. سأتمكّن من عدِّ اللاجئين العابرين أمام خيمتنا، على الأقل. أحبُّ الأبوابَ الواسعة، وأحلمُ ببابٍ يُفضي إلى حديقةٍ كاملة.

في الليلة الأولى، نمنا على بطانياتٍ رقيقة، التصقتُ بعمّي مثل ورقةٍ تلتصق بشجرتها الساقطة، وملأتْ رئتَينا رائحةُ الرطوبةِ حتى الصباح. في الليلة التالية رتّبنا بعضَ الحاجيات: بطانيةً ثخينة، مصباحاً صغيراً، قنينةَ ماء، كوبين، علبةَ بسكويت، ولا موقد.

في الليلة الثالثة، تسلّلتُ إلى المفتاح، إلى داخلِ معدنه القديم. لم أُحرّكْه أو أستعملْه، بل سكنتُ في جوفه، وكان سكوناً بلا قلق. قبيلَ الفجر خرجتُ من المعدن، وعدتُ إلى جانبِ عمّي.

عندما استيقظ عمّي، علّق بغرابة:

– لا بدَّ أنكَ ارتحتَ هذه الليلة، لم تتأوّهْ في نومك كما البارحة.

ثم نهض، فنهضتُ، ونظرتُ إلى المفتاحِ المعلّق. كان كما هو، أمّا أنا، فلم أعُد كما كنت.

تكرّر الأمر ليالي متعاقبة، أعودُ إلى المفتاحِ كلَّ ليلة، أسكنُ في جوفه، كلَّ مرةٍ بإحساسٍ مختلف: مرةً أتماهى مع أسنانه، مرةً أستقرُّ داخله، أحيانًا أتوزّعُ في صدئه أو في لمعانه الخافت، وأحياناً أتقلّصُ في عنقه الطويل. لا يصدأ أكثر، لا يتحرّك، ولا يكفُّ عن الانتظار.

ثم، ذاتَ ليلة، ظهرَ في المفتاحِ بيت، جاء من الذاكرةِ البعيدة، كان بيتاً حجرياً جميلاً، يقف كقلعة، أبيض، تُحيط به أشجارُ الليمون فيبدو في خضرةٍ كاملة. في البداية، أربكني، لكن عندما اقتربتُ منه، رأيتُ فيه شيئاً أعمقَ من الصدأِ المحايدِ الذي رأيتُه في المفتاح القديم. كان يحملُ حياة.

رأيتُ ما يُريني، لكني خفتُ في أولِ ليلة. استندتُ إلى جسم المفتاح، ونمت.

في الصباحاتِ التالية، لم أستطعْ مغادرةَ المفتاح. أسرني البيتُ هناك. ومن داخل المعدن، رأيتُ كلَّ ما حدث في الخيمةِ الضيّقة، رأيتُ عمّي يُعِدّ الشاي ويبكي، رأيتُ الجيرانَ وهم يسألون عني، ورأيتُ أمي وأبي اللذين استشهدا في القصف. كلهم ظهروا حولي، وبدأوا يبحثون عن معنىً لغيابي كما لو كنتُ روحاً هائمة. لم ينتبهْ أحدٌ إلى المفتاحِ المعلّقِ على القماش، ولم يرَني أحدٌ هناك. كنتُ محبوساً في الذاكرة، رفقةَ البيتِ الأبيض.

أخيراً، وبعد أيامٍ من الحيرةِ وبكاءِ عمّي، اقترب مني البيتُ، احتواني بكاملي وهمسَ:

– سأمحو منفاك الآن، لن أفتح بابي ثانية.

استسلمت. متُّ موتةً طويلة، ثم ولدت. كان الألم شبيهاً بعبورٍ مؤلمٍ عبر الزمن، تحرّك كلُّ شيءٍ في جسدي من وطنٍ إلى آخر، ثم أُعيدَ بناءُ كلِّ شيء. وعندما انتهينا، نظرتُ إلى المفتاح كأنّي عائدٌ منذ الأزل.

قال البيت:

– إنّه الآن فقط جاهز. هيا، افتحني.

مددتُ يدي وأدرتُ المفتاح في القفل الخيالي. انفتح البابُ، وخرجتُ إلى حديقةٍ غارقةٍ في ضوء الشمس، ورأيتُ أمي وأبي ينتظران على العتبة.

– لم يكن مفتاحاً عادياً، كان جسراً، نصفَ ذكرى. قال البيت.

– ولماذا انفتح الآن؟

– لأنك قبلتَ العودة. المنفيُّ يحتاج إلى طريق. بإمكانك الآن أن تعيشها كلّما شئت.

– أعود في الذاكرة؟

– بل تعيش في البيت، وتعود.

عدتُ للنظر إلى المفتاح، ورأيتُ بابَ بيتنا في حلقته. دخلتُ، وجلستُ على عتبة الدار، أغمضتُ عينيّ ثم فتحتهما. كانت العودة تحدث، كرحلةٍ دائمةٍ لا نهاية لها، تحدث وأنا في الخيمة وفي البيت معاً.

في الصباح، عندما استيقظَ عمّي، وقبل أن يُصلّي الفجر، تقدّم نحو المفتاح، وقفَ أمامه، تأمّله، ورآني هناك داخل المعدن، واقفاً على عتبة بيتنا القديم، وعينايَ مفتوحتان.

ابتسمَ لأول مرةٍ منذ يومِ فقداني، وخرجَ لاستقبال اليوم وهو يحمل سلاماً غريباً.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق