هناء العوامي*
أنا محمد، عمري تسع سنوات…
لكن لا تتحدث عني – من فضلك – بصفتي طفلاً، ليس وأنا أشعر أنني المسؤول عن أمي وأخواتي الثلاث، عن حمايتهن وإطعامهن.
أُصبت قبل عدة أشهر برصاصة في ذراعي اليسرى، ولحسن الحظ لم تُصب سوى الجلد ومسّت اللحم قليلاً. ضمّدته أمي في البيت بخرقٍ من ملابسها القديمة. لم نجرؤ على التوجه إلى المستشفى، فالمستشفى مكتظ، وهو بدوره عرضة لأن يكون في مرمى القنابل. لا أعرف… ربما تم قصفه بالفعل.
ولا أحد هنا يهتم بجرحٍ مثل جرحي. ضغطت أمي على الجرح لتوقف النزيف، وانفتح بعدما التأم مرتين، لكنني عشت… ستبقى عندي ندبة كبيرة تذكرني بهذه الأيام التي أصلّي كل يومٍ لكي تولّي ولا تعود.
كان لدى صديقي من الجيران لعبة فيديو فيها رجال يطلقون النار وآخرون يهربون منهم. كنا عشرة أطفال ينتظر كلٌّ منا دوره ليلعب، وكان سامي يلعب مرتين مقابل مرة لكل واحدٍ منا، بما أنه يملك اللعبة. لكننا كنا نستمتع بمشاهدة بعضنا البعض والتعليق والمزاح كما كنا نستمتع باللعب نفسه.
الآن فرقتنا الحرب.
أمي قررت أن نبقى في المنزل، أما أم سامي فقررت أن يغادروا إلى منزل أهلها، لا أعرف أين يقع، لكني أعلم أنه بعيد بما يكفي… ولم أعد أستطيع رؤية صديقي أو مشاركته ألعابه.
كنت ساخطًا حين أخبرني، خاصة وأنّ بلالاً وحمزة قد غادرا بدورهما، لكن قبل أمس قُصف منزلهما، فشعرت بالسرور لأنهما غادرا قبل ذلك… ربما ذهبوا إلى المخيمات، لا أعرف ما هي المخيمات، لكن أمي قالت ذلك.
الآن أنا أفعل ما كنت أفعله في لعبة الفيديو، ولكن على أرض الواقع.
أمي ترسلني إلى التكية لإحضار الطعام أو الطحين، وأرى من بعيد رجالاً يرتدون أزياء تشبه لعبة الفيديو، ومن أحدهم أُصيب ذراعي.
المهمة ليست سهلة…
عليك أن تعرف متى تتحرك بسرعة ومتى تتوارى، أن تكون غير ملفت، وأن تنظر إلى الأرض لكن ترى وتسمع كل شيء حولك… أن تكون منتبهاً.
لذّة الانتصار حين أعود إلى البيت ببعض الطعام لا تُوصف: نظرة أمي لي، فرح أخواتي، واحترام الجميع.
كنت أحسب حين أحرز نقاطاً أعلى من أقراني في لعبة الفيديو أنّ السعادة التي أشعر بها وقتها لا يفوقها شيء، لكن فرحة أمي بعودتي سالماً، ظافراً بكيس طحين، منحتني سعادة أكبر.
شكراً يا الله.
*كاتبة سعودية تكتب عن الإنسان وتحوّلاته، تمزج في أعمالها بين الخيال والتأمل، وتتنقل بسردها بين الواقع وأبعاده النفسية والفكرية.


أضف تعليق