حامد موسى*
المقعد الخالي
كانت تجلس في المقهى ذاته كل مساء، كأنها تحفظ تفاصيل المكان أكثر من نفسها.
الكرسي الخشبي، الطاولة الصغيرة، فنجان القهوة الذي لا تشربه كاملاً…
كل ذلك صار جزءاً من طقوسها اليومية، مثل صلاةٍ لا تُقال بصوت.
لم تكن تنتظر أحداً، لكنها كانت تترك مقعداً خالياً أمامها، كأنها تحترم الغياب وتدعوه إلى الجلوس.
الناس يمرّون، السيارات تومض في الخلفية، وضجيج المدينة يتسلّل إلى عينيها الهادئتين اللتين لا تشبهان شيئاً سوى حزنٍ يبتسم بأدب.
كانت أنيقة، نعم، لكن أناقتها لم تكن من القماش أو اللون، بل من اتزانٍ داخلي يشبه تصالح زهرةٍ مع ذبولها.
كل شيء فيها يوحي بأنها تعلم أكثر مما تقول، وأنها مرّت بما لا يُقال.
قبل عام، كانت ليلى تضحك كثيراً، وتكتب رسائل حبٍّ لحبيبها المسافر.
لكن حين عاد بوجهٍ غريبٍ وابتسامةٍ باردة، قال لها ببساطةٍ جارحة:
“الأشياء الجميلة لا تدوم، ليلى… ربما انتهى الوقت بيننا.”
ومنذ تلك الليلة، بدأت تتعلّم فنّ الرحيل بهدوء.
وفي مساءٍ ذهبيٍّ من نهايات الخريف، جلس رجلٌ أمامها دون أن يستأذن.
قال بخجل:
“أعتذر، ظننت المقعد خالياً.”
فأجابت بابتسامةٍ هادئة:
“هو خالٍ منذ زمن… تفضل.”
تبادلا كلماتٍ خفيفة وضحكاتٍ قصيرة، ثم ساد بينهما صمتٌ لطيف.
وحين نهض ليغادر، قال لها:
“أنتِ تشبهين مساءً جميلاً… لكنه حزينٌ قليلاً.”
فأجابت بهدوء:
“ربما لأنّ الجمال لا يكتمل إلا ببعض الحزن.”
رحل، وبقيت تحدّق في المقعد الفارغ أمامها، كأنها ترى في الغياب وجهاً مألوفاً آخر.
ثم همست لنفسها:
“الحزن الأنيق لا يُشفى… لكنه يعلّمنا كيف نبدو بخير.”
اللقاء الثاني
مرّ عام.
المقهى نفسه، الطاولة ذاتها، غير أنّ شيئاً تغيّر في ملامح ليلى.
لم تعد تجلس كمن ينتظر، بل كمن يستريح بعد مسافة طويلة من المشي في الذاكرة.
ضحكتها أخف، نظرتها أهدأ، وصمتها أكثر نضجاً.
في مساءٍ رمادي، لمحته يعبر الشارع المقابل.
كان الرجل نفسه – بذات الخطوات ومعطفه البنيّ.
تلاقت نظراتهما، وابتسم كأنهما لم يفترقا يوماً.
اقترب وقال بلطف:
“ما زلتِ تشربين القهوة بلا سكر؟”
فأجابت بخفةٍ ممزوجةٍ بالدهشة:
“تعوّدت مرارتها… ربما صارت تشبهني.”
جلس أمامها كما المرة الأولى، لكن الصمت بينهما كان مختلفاً؛ أكثر دفئاً وصدقاً.
قالت وهي تراقب البخار المتصاعد من فنجانها:
“حين ينكسر شيء داخلنا، نظن أننا لن نُصلحه أبداً، لكننا لا نحتاج إصلاحه… يكفي أن نحبّ ما تبقّى منه.”
قال مبتسماً:
“كنتِ حزينة العام الماضي… الآن تبدين ناضجة.”
فأجابت بهدوء:
“النضج يا سيدي ليس شفاءً، إنه فقط طريقة راقية للعيش مع الوجع.”
تحدثا عن الكتب والموسيقى والأماكن، وتجنّبنا الحديث عن الحب.
كانا يعرفان أن بعض اللقاءات لا تأتي لتعيد ما مضى، بل لتمنحنا سلاماً صغيراً نستطيع به أن نكمل الطريق.
وحين نهض ليغادر، ترك على الطاولة وردةً صغيرة وورقة كتب فيها:
“لم يكن الحزن فيكِ قسوة… بل نوعاً نادراً من الجمال.”
نظرت إليها طويلاً، ثم همست لنفسها:
“ربما لم يعد الحزن يسكنني… لكنه ما زال يعرف عنواني.”
سلام ليلى
مرت شهور بعد اللقاء الثاني.
لم تعد ليلى تزور المقهى كل مساء، بل فقط حين تشتاق لنسخةٍ منها كانت تجلس هناك.
انتقلت إلى شقةٍ صغيرة تطل على النهر، وأصبح الصباح طقساً مقدساً لبدء حياةٍ أكثر اتزاناً.
تصنع قهوتها ببطء، وتكتب في دفترٍ جديد كلماتٍ لا تشبه القديمة.
على أول صفحة كتبت:
“الحياة لا تعتذر… لكنها تمنح فرصاً ثانية لمن يتعلّم الإصغاء.”
لم تعد تكتب عن الفقد، بل عن الامتلاء.
لم تعد تخاف الوحدة، بل صارت تراها مساحةً للسلام الداخلي.
كل سطرٍ كانت تكتبه كان بمثابة خطوةٍ نحو نفسها.
وذات صباحٍ، جاءتها رسالةٌ منه:
“كنت أمرّ بالمقهى، فذكرتك… هل ما زال الحزن الأنيق يزورك؟”
ابتسمت وكتبت له:
“لا… صار ضيفاً مهذباً يطرق الباب أحياناً، أجلسه قليلاً ثم أعتذر بلطف، لقد تعلمت أنّ الجمال لا يحتاج وجعاً ليزهر.”
ثم خرجت تتمشّى على ضفة النهر.
النسائم تداعب شعرها الطويل، وصوت المدينة يبدو أكثر حناناً هذه المرة.
تذكّرت الحب والفقد والوحدة، ولم تشعر بأي مرارة، بل بامتنانٍ دافئ.
كانت تعرف أنها أخيراً عادت إلى نفسها.
وفي المساء، كتبت آخر سطرٍ في دفترها:
“كل ما خسرته، علّمني كيف أختار نفسي أولاً… وهذا هو أجمل انتصار.”
رفعت رأسها نحو الغروب، وأدركت أنّ الجمال الحقيقي لا يولد من الحزن، بل من سلامٍ أنيقٍ مع ما لا يمكن استعادته.
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.


أضف تعليق