هناء العوامي*
نظرت نيفِر إليه غير مصدّقة، بينما رمقها زوجها أمنحوتب بنظرة انتصار، وكأنه إذ أثبت وجود الحديد، فهو يثبت تلقائياً أنّ إله الشمس هو الوحيد الجدير بالعبادة!
كان يعتقد أنّ الحديد هبةُ الخالق للذين أدركوا أنه لا يوجد سوى خالقٍ واحدٍ للكون والحياة…
قال وهو يبتسم:
“إنّ الشمس التي تنير حياتنا هي التي تُنبت الزرع، وتبثّ الحياة في الكائنات… نور آتون، لولاه لكانت الدنيا جحيماً بارداً. ألا ترين دفءَ يديكِ الناعمتين مقابل برودة مومياء ميتة؟”
عبست نيفِر بضيقٍ لمقارنتها بمومياء، فضحك أمنحوتب.
كان النوخذة الكبير الذي جاء من مَجان بسفنٍ محمّلةٍ باللبان والمُرّ والبخور قد قدّم له سيفاً من الحديد.
لم تكن هي تؤمن بوجود الحديد، وكانت تشعر بالفخر لكونها أكثر عقلانيةً من أن تصدّق هذه “الخرافات”.
كان واضحاً بالنسبة لها – وغائباً بالنسبة له كعادته – أنّ التاجر جاء بالهدية لا رغبةً في التقرّب، بل بدافع الفضول لرؤية هذا الملك الغريب الأطوار الذي يدعو إلى التوحيد. أما رؤية الزوجة الحسناء فكانت منحة إضافية!
التوحيد!؟
فكّرت بتهكّم: هل سيفعل هذا الإله الواحد كل شيء بمفرده؟
ليس الكِمتيّون وحدهم من يؤمنون بآلهةٍ متعددة، بل كل الشعوب التي سمعت بها كذلك.
لم توافقه، لكنها أيضاً لم تعترض. كانت عازمة على أن تدعمه فحسب، رغم تمنّيها لو لم يكن ذلك بهذه الصعوبة.
منذ أعلن عقيدة التوحيد، وقرّر نقل مقرّ الحكم بعيداً عن معبد آمون، قلّةٌ فقط تجرؤوا على الاعتراض علناً، لكنّ الاستياء من قراراته بدا واضحاً حتى في عيون أولئك الذين أراد حمايتهم من فساد رجال الدين… بل هم بالذات!
الوصيفات يشعرن بالخوف في حضوره، رغم أنهن لا ينظرن إليه مباشرةً أبداً، ورغم حُسن أخلاقه الواضح مع الجميع.
أما النحّاتون فقد صمّموا له تماثيل لا تُشبهه، بل بدا أنهم يسخرون منه بتشبيهه بالنساء. وهذا كله حدث بالرغم من أنه كان يتعامل مع الجميع بطولِ بالٍ يُحسَد عليه، رغم حزمه.
ذلك التاجر كان ينظر إليه كلما سها عنه، وكأنه يتفحّص طائر الرخّ بعد أن وجده أخيراً!
كان يحسب أنّ أحداً لم يلمحه، لكنها هي ترى كل شيء، وتفطن لكل شيء، وعازمة على حماية الرجل الذي تحبّه…
سوف تدعمه، ولا يهم إن كانت مقتنعة بما يقوله أم لا.
هذا الرجل لي.
أكثر ما كان يغيظها هو نظرات كهنة آمون الساخرة له من وراء ظهره، بل إنها تعتقد أنهم يتعمّدون أحياناً أن تلاحظ هي ذلك.
بالأمس رمقها كاهنٌ عريقٌ بنظرةٍ ساخرةٍ متحدّيةٍ واضحة، تصنّعت البرود وكأنها لم تلاحظ، ثم طلبت صباح اليوم من جاريتها أن ترسم لها الكحل مطابقاً لنقش كحل أخناتون.
“أخناتون؟ من يكون؟” قالت الجارية بدهشة.
فنظرت إليها الملكة نظرةً حادّة جعلتها تُسقط المكحلة أرضاً.
وبينما تلعثمت الجارية بالاعتذار، أرجعت الملكة ظهرها باسترخاءٍ وأغمضت عينيها مفكّرة:
“التوحيد… هه؟”
هي لا تعرف شعباً موحِّداً سوى بعض القبائل البدوية في أرض كنعان، لعلهم يرون في الاكتفاء بإلهٍ واحد نوعاً من الزهد!
أو لعلها رحمةٌ بجِمالهم التي تحمل جميع أمتعتهم، بما فيها تماثيل الآلهة.
تلك القبائل دائمة التنقّل ولا تستقر طويلاً في مكانٍ واحد، ولكن حتى أولئك لم يكونوا بهذا الوضوح في إنكار بقية الآلهة.
وكانت تدرك أنّ هذا النهج الجديد قد يضرّ بالعلاقات الدبلوماسية مع بعض الشعوب التي تُقدّس آلهتها الخاصة؛ فحين يكون إلهك الوحيد هو الجدير بالعبادة، فربما يفهم الآخرون أنك لا تتمنّى الخير لهم.
ولكن ليكن…
هي تحبّه، وإذا كان يريد أن يكون اسمه أخناتون، فليكن.
وإن أراد أن يبني مدينةً يسميها أخيتاتون ويجعل فيها مقرّ حكمه، فليكن.
قاطعت الماشطة أفكارها قائلة:
“لو سئمتِ رسمة الكحل القديمة يا سيدتي، فأنا قادرة على رسم تصاميم جديدة.”
التفتت الملكة نفرتيتي بدهشة.
كان واضحاً أنّ الماشطة لم تفهم سوى أنّ “أخناتون” اسم مذكّر، ولم يهمها على الإطلاق من يكون، كما لم تكترث إن كان الاسم نفسه يخالف ما اعتادت عليه من دينٍ وتقليد.
فلماذا ترغب الملكة – بحق السماء – أن تُزيّن عينيها كما يفعل الرجال؟
قالت بثقة:
“ارسمي لي الكحل كما يفعله الملك، تماماً.”
أطاعت الجارية الأمر فوراً، وقالت بخفوت:
“هلا أغمضتِ عينيكِ من فضلك؟”

كانت الماشطة منهمكة في عملها كأنها تُجري جراحة دقيقة، وحين نظرت نيفرتي إلى صورتها في المرآة أجفلت لأول وهلة؛ إذ حسبت أنّ الملك قد دخل عليها فجأة!
كانت رسمة الكحل مطابقة تماماً لعيون الملك.
قالت الماشطة بحرج:
“أنا آسفة يا سيدتي، لو أردتِ أن…”
لكن الملكة رفعت كفها قائلة:
“بالعكس، هذا ما أردتُ تماماً. أشكرك على عملك المتقن.”
ثم أهدتها مشطًا من العاج الموشّى بالذهب، ففرحت المرأة به كطفلٍ يُعطى حلوى العيد.
وحين رآها ذلك الكاهن تضع كحل الملك، وصلته الرسالة كاملة.
نظرةٌ واحدة إلى وجه الملكة كسرت عينه، فسارع إلى مغادرة قاعة العرش مرتبكاً.
لكن ذلك الانتصار، وتلك التجربة الروحية، لم يدوما طويلاً…
فبعد وفاة الملك، تغيّر اسم ابنه من توت عنخ آتون إلى توت عنخ آمون.
*كاتبة سعودية تكتب عن الإنسان وتحوّلاته، تمزج في أعمالها بين الخيال والتأمل، وتتنقل بسردها بين الواقع وأبعاده النفسية والفكرية.


أضف تعليق