محمد الصغير

عالم غريب حقاً، يموت الناس جوعاً في عصر التُخمة، وأمراض عُسر الهضم، لك أن تتخيل أنّ الطعام الذي يتم التخلص منه في فندق واحد من فنادق العالم الذي يدّعي التحضّر، سواء كان قطعة لحم، رغيف خبز، طبق أرز لم يُمس، يمكنه أن يُشبع ما لا يقل عن مائة جائع، وهذا في يومٍ واحد فقط، ولك أن تتخيل الأعداد الكبيرة لهذه الفنادق الباهضة التكلفة، تُلقي ببقايا طعام، يكفي حي بأكمله من الأحياء الفقيرة، هل هذه هي الحضارة التي يدّعي البعض أنها الخلاص من الرجعية، أو التبعية للآخر.

كنتُ أعمل في أحد تلك الفنادق، كانت مهمتي: تنظيف الطاولات، والتخلص من الطعام الزائد، وكان يُطلب مني مع مجموعة من زملائي، التخلص من هذا الطعام، لم أكن أصدق، يا الله ارحمنا برحمتك، كيف نفعل ذلك؟! يطلب مني رئيسي في العمل، أن أضعه في أكياس كبيرة وألقيها في الحاوية، كم كنتُ أشعر أنّ رائحة الطعام الدافيء تتحوّل إلى رائحة موت حين نسحقه في الأكياس السوداء، والتي تبدوا كأنها جثث موتى، ذات مرة، أسررتُ لرئيسي في العمل، ما كان يعتمل في قلبي من أسى، كان شاباً في الثلاثين، رمقني بنظرة باردة، وقال: “أدهم، إن كنتَ تريد العمل هنا، فلا تسأل هكذا أسئلة.. فهمتني؟”، بالطبع لم أفهم، ولن أفهم، هززتُ رأسي صامتاً، وفي داخلي تقزّز من هذا العالم.

ذات ليلة، وبينما كنت عائداً إلى البيت، صادفت رجلاً في الخمسين، كانت الساعة تقترب من التاسعة ليلاً، وفي العادة، لا يمكنك أن تصادف أحداً في ذلك الوقت، كما أننا كنا في شهر سبتمبر، على أبواب الشتاء، والأجواء باردة، رأيته يجلس على مقعد خشبي، عند زاوية شارع، جلس كجذع شجرة اقتلعتها العاصفة من جذورها، رأسه بين ذراعيه، ونشيج مكتوم، كأنّ قلبه يتمزق داخله، توقفت خلف شجرة، وأخذت أنظر إليه، بقيت على هذا الحال نصف ساعة، ولا أدري كيف طاوعتني نفسي على البقاء، لكن شيئاً ما أوقفني، كانت تُراودني الشكوك بأنّ مكروهاً قد أصاب الرجل، مثل تلك الندوب التي تترك جروحاً غائرة في أعماقنا، رجل تقطعت به الطرق، لا يستطيع توفير أبسط متطلبات الحياة، هرعت إليه آخر الأمر، وقفت أمامه، كان يكبرني بثلاثين عاماً، أعتقد أنني كنتُ في سن أولاده، “يا عم”، لم يُجبني باديء الأمر، أعدت عليه ثانية وثالثة، وبقي ساكناً، وكأنني غير موجود، اقتربتُ أكثر، وضعت يدي على كتفه، فرفع رأسه ببطء، عينيه كانتا نصف مغمضتين، كما لو أنّ النوم فارقه منذ مدة طويلة، لم أستطع رؤيته بوضوح مع هذا الليل الحالك، إلا بقدر ضئيل من ضوء القمر، “يا عم، هل أنت بخير؟”، لم يُجبني، وألقى رأسه مرة أخرى بين ذراعيه، “بخير يا بني، أرجوك أن تذهب”، جاء صوته متحشرجاً، فازددتُ اصراراً على البقاء، لم يعجبني أن يكون هناك رجل في مثل هذا العمر، يجلس وحيداً في مكان لا يرتاده أحد، إلا ما ندر، ربما في الساعة أو الساعتين، قد يمر أحدهم، ومن يدري، قد لا يُعيره اهتمامه، قد يعتبره مجنوناً، أو لا يبالي بالأساس، كثيرون هم عديموا الاحساس هذه الأيام.

لم تُعجبني فكرة ترك الرجل وحيداً، فعُدت للوراء بضع خطوات، وتوقفت بجانب الشجرة، وتداريت خلفها، بحيث لا يمكنه رؤيتي، هناك أشخاص فقراء كُثر في مدينتنا، أراهم كل يوم، لكنني أقول في نفسي، وماذا أستطيع أن أفعل، يعتريني اليأس وأكمل طريقي، كان الحزن ينساب داخلي كما ينساب الماء في شِق جدار، وهكذا دواليك، الحزن صار يتعمق داخلي يوماً وراء آخر، لماذا لا يكون هناك من يتكفّل بهؤلاء الفقراء، كنت أُسائِل نفسي كمن يلومها، ولا أجد إجابة شافية، أدرك أنّ الأعمال بالأساس قليلة، وليس هناك فرص تسع الجميع، وكنت أقول لو كان شاباً، فيمكنه أن يذهب ليكنس الشارع، أو ليفعل أي شيء، فمازال في عنفوانه، لكن هذا الرجل لم يكن شاباً، وبالرغم من أنّ عمر لا توحي بالكبر لدرجة الشيخوخة، إلا أنه لأمر محزن حقاً أن ترى شخصاً في مثل حالته، ويا تُرى، هل لديه عائلة، أم أنه مقطوع من شجرة، هناك من لا يُنجب الأطفال، وربما تموت زوجته، فتتركه وحيداً، ليحزن عليها دهراً، وهناك من لديه أطفال، يفغرون أفواههم طلباً للطعام، وهذه الحاجة لا مناص منها، فيجب أن يتوفر الطعام كل يوم، ليستطيعوا مواصلة الحياة، ويا للمساكين، لا تدري ما ينتظرهم، الله أعلم بالحال.

سمعتُ وقع أقدام تدب على الأرض، نظرتُ، كانت فتاة صغيرة، ربما في الثالثة عشر، تُغطي رأسها بوشاح، وتلبس فستاناً فضفاضاً، وتنتعل حذاء بسيطاً، لا يمكنك أن تقول عنه سوى أنه مما يستعمل في البيت، “أبي.. أبي”، رفع الرجل الخمسيني رأسه.

“فاطمة، ماذا تفعلين هنا يا ابنتي؟”،

“أخبرتني أمي لأبحث عنك”،

“تعالي يا ابنتي، اجلسي”.  

تأبطت ذراع والدها، ورمت برأسها عليه، ابتلعت تلك اللحظة كل الكلمات داخلي، شعرت كمن تدور الأرض في رأسه، أصابني الحزن العميق، كنتُ أخبرتكم أنّ هذا الحزن صار يتعمّق داخلي مع مرور الوقت، فحكايات الفقراء، والبسطاء، تُمزقني، تشلّ قواي، وأنا ابن ثلاثة وعشرين عاماً، إلا أنني أصير ضعيفاً أمام هذه المواقف، ربما اكتسبت هذه العادة من والدي، كان يقول لي أن أترفق بالناس، وبالذات، كبار السن، والضعفاء الذين تقطّعت بهم السبُل، كانت تراودني الأفكار، وماذا عني، ألا أستحق أن يهتم بي أحد، أن يقلق لأجلي، لكنني أدركت مع مرور الوقت، أنّ أبي كان على حق، فالانسان الحقيقي، رجلاً أو امرأة، هو من يهتم بأوجاع الآخرين، ويحاول أن يُداوي جراحهم، ولهذا أشعر بالإمتنان العظيم لأبي لأنه غرس في عقلي مثل هذه القيم النبيلة، في عالمٍ متقلب، لا نشعر فيه بقيمة الانسان أو حقيقة ما جُبل عليه، وسط مادة مقيتة تنزع منه أنبل ما لديه، وهو أن يكون انساناً، دون اعتبار للون، جنس، أو دين، فالجميع أمام الانسانية سواء، من ارتقت نفسه للعلياء، ومن ألقته إلى أسفل سافلين.

في هذه اللحظة، تذكّرتُ جبال أطباق الطعام الملقى في الحاويات، رفعتُ عيني نحو الرجل وابنته، وتساءلت: كم من طبقٍ واحد فقط كان يكفي لهذه العائلة؟ وكم من فندق كان يمكنه أن يعيد الحياة لحي بأكمله؟

في تلك اللحظة، أدركتُ أنّ الجوع الحقيقي ليس ما نراه في وجوه الفقراء فقط، بل فيمن يتقمصون دور الحضارة وضمائرهم لا تعرف الانسانية.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق