مريم الشكيلية: كيف تعلّمنا الكتابة أن نرى أنفسنا من جديد؟

حاورها: أ. أيمن زيدان

في عالم الأدب، لا تصبح الكلمات مجرد أحرف متراصة على الورق، بل نبض روح ومشاعر تتغذى بعبق الحنين والغضب والسكينة، في هذا العالم، تبرز أسماء تصنع من الحروف جواً خاصاً بها، تنقل القارئ إلى فضاءات جديدة من التأمل والاستكشاف.

من بين هؤلاء الأسماء، تلمع اليوم الأديبة والكاتبة مريم الشكيلية، التي ارتبطت كتابتها بالحياة بكل تفاصيلها الدقيقة، وحوّلت تجاربها ومشاهدها اليومية إلى نصوص تنبض بالحس الإنساني، وفي الوقت ذاته تحمل بُعداً فلسفياً يتجاوز اللحظة ليصل إلى الأبدية.

مريم الشكيلية، كاتبة عمانية، نجحت في مزج الشعر والنثر، فغالباً ما يبدو نصها وكأنه لوحة فنية تتراقص فيها الكلمات كأنغام موسيقية، تحمل القارئ من عالم الغياب إلى حضرة الوجود، ومن السكون إلى انفجار المشاعر.

تميزت في أعمالها بقدرتها على التعبير عن الذات الإنسانية، فهي لا تكتب فقط لتوثيق الأحداث، بل لتسأل وتجيب، لتصالح وتستفز، لتستدعي الحنين وتحتضن الصمت.

دعونا نسمح لأنفسنا بأن نتأمل، ونستشعر، ونعيش اللحظة مع مريم الشكيلية، في رحلة اكتشاف للذات وللعالم، تتحوّل فيه كل رسالة، كل نص، وكل حرف إلى نافذة مفتوحة على قلب الحياة.


هناك مشاعر متداخلة ومعقدة نتيجة لمواقف ومنعطفات وانهيارات، وشعور يطفو على السطح يحتاج إلى أقلام حِبرية لإخراجه من قوقعتها.

الكتابة كرسالة إلى لا أحد

سؤال 1:
في نصك الفائز “رسالة إلى لا أحد”، يبدو أنّ المُرسل إليه غائب أو متعمّد الغياب… هل نكتب أحياناً لأننا لا نملك مخاطباً، أم لأننا نخشى أن يفهمنا أحد؟

مريم الشكيلية:
لكل كاتب، قبل أن يشرع في الكتابة، أن يضع محبرة قلمه أمام نفسه أولاً كالمرآة؛ فهو الوحيد الذي يعلم بوصلة قلمه.
أما للخاص – وأقصد بالخاص وجود مخاطب لقلمه – فهي كأنغام موسيقية تُرسل عبر زخرفة أدبية، وأما للعام، فيكون المخاطب الوحيد للقلم هو القارئ، ذلك القارئ المجهول الذي يصل إليه بمِداد القلم.
وهناك كتّاب يخشون أن يُفهموا بطريقة مختلفة، وهذا نابع من طبيعتهم وبيئتهم وفهمهم للعالم الأدبي ومداخله.

سؤال 2:
ما معنى أن تكون الكتابة “رسالة مؤجلة” في زمن يعج بالكلمات الفارغة؟

مريم الشكيلية:
في ظل ضجيج الكلمات الفارغة، التي أسميها “فقاعات فارغة”، كدخان تبغ نختنق منه، يصبح من الضروري وجود رسالة مؤجلة نطلقها من فوهة أقلامنا حين يهدأ هذا الضجيج، الذي يصم قلوبنا، لتعيد تلك الرسائل المؤجلة ترتيب نبض الحياة.
فالرسائل المؤجلة هي حمائم بيضاء تحط على شرفات أرواحنا المتعبة.

سؤال 3:
بين “رسالة إلى لا أحد” و “رسائل مزهرة”، هناك انتقال من الغياب إلى التواجد… هل يمكن القول إنك تكتبين لتصالحين نفسك مع العالم؟

مريم الشكيلية:
ليس بالمعنى الدقيق، وإنما يمكن القول إنني اخترت أن أجدّف بقلمي في بحر الحياة المتلاطمة، وأن أجد طريقة للتعبير عما يعتري دواخل النفس والحياة. هناك مشاعر متداخلة ومعقدة نتيجة لمواقف ومنعطفات وانهيارات، وشعور يطفو على السطح يحتاج إلى أقلام حِبرية لإخراجه من قوقعتها.
باختصار، هناك مشاعر تُكتب ولا تُنطق لنكون قادرين على فهم هذا العالم، ولنتصالح مع متغيراته.


الكلمات، حين تكون على موائد الحديث، يجب أن تأتي على مقاس قلوبنا لتفتح شهيتنا للتعبير، فالكلمات إما أن تكون قصوراً أو قبوراً.

على مائدة الكلمات

سؤال 1:
نختار أحياناً من الكلمات كما نختار الطعام – ما الذي يجعل الكلمة عندك شهية للبوح؟

مريم الشكيلية:
لأنني أرى أنّ للكلمة أناقة مثل أناقة الثوب. حين نختارها، فهي تعكس أناقتنا وذوقنا.
والكلمات، حين تكون على موائد الحديث، يجب أن تأتي على مقاس قلوبنا لتفتح شهيتنا للتعبير.
فالكلمات إما أن تكون قصوراً أو قبوراً.

سؤال 2:
متى تشعرين أنّ النص أصبح وجبة مُشبعة للقلب؟ ومتى يكون مجرد فتات لغة؟

مريم الشكيلية:
النص يصبح وجبة مشبعة حين يكون قريباً من مجالسة نبض، لا سطور. حينها يُدخلك إلى محراب تشعر فيه بأنك تخلع نعليك لفرط نقاءه.
أما فتات اللغة، فيكون عندما يكون النص فارغاً مثل البيوت الخاوية إلا من صدى أصوات ساكنيها.

سؤال 3:
لو كانت الكتابة مائدة حقيقية، من ستدعين إليها أولاً: الحنين، الغياب، أم الصمت؟

مريم الشكيلية:
الصمت أولاً.


الحب شعور صافي، لكنه أصبح غريباً ومتهماً، وكثُر المحبون وغاب الحب. لذلك أكتبه كطاقة لغوية أكثر من كونه شعوراً مباشراً.

ما قبل زوال العالم

سؤال 1:
اختيار مجموعة من أعمالك في كتاب “شيء من الحب قبل زوال العالم” هل تؤمنين أنّ الكتابة يمكن أن تؤخر هذا الزوال ولو للحظة؟

مريم الشكيلية:
من منظور واقعي وحتمي، لا شيء يمكن أن يؤجل هذا الزوال لأنه في قبضة خالقه.
لكن من خلال حياتنا اليومية، نؤمن أنّ الكتابة لابد أن تكون حاضرة في هذا العالم حتى لو كان في طريقه إلى الزوال.
فالكلمة مثل غرس شجرة في حقل، كما جاء في قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم:
(إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا).

سؤال 2:
كيف تنظرين إلى الحب كطاقة لغوية أكثر من كونه شعوراً إنسانياً؟

مريم الشكيلية:
ربما يتصور القارئ أنني أتعامل مع الحب كطاقة لغوية أكثر من كونه شعوراً إنسانياً، لكنني أنثر هذه الطاقة كبتلات ورد عبر اللغة. الحب شعور صافي، لكنه أصبح غريباً ومتهماً، وكثُر المحبون وغاب الحب. لذلك أكتبه كطاقة لغوية أكثر من كونه شعوراً مباشراً.

سؤال 3:
هل تعتقدين أنّ الكتابة النثرية هي لغة النجاة في عالم ينهار شعرياً؟

مريم الشكيلية:
لا أعتقد أنّ اتجاهي للنثر نابع من انكماش الشعر، بل لأنّ ميولي تميل إلى هذا النوع الأدبي. أشعر أنّ النثر أقرب لنفسي، وعندما أكتب النثر، أسير نحو فضاءات جميلة ومتسعة، كأنّ العالم يتمدد من حولي، أستشعر عطر الحياة، وأتحوّل إلى عصفور صغير ينقر على أبواب زجاجية بخفة حتى لا يوقظ أهل الأرض.


اليوم، تغير تمثيل المرأة العمانية في الأدب بفتح آفاق رحبة لها، ومشاركتها في محافل داخل السلطنة وخارجها، وإصداراتها الأدبية تضج بها الصحف، وأصبح لها حضور واسع وتواصل تقديم أعمال أدبية جميلة.

الكتابة النسائية… أم كتابة الإنسان؟

سؤال 1:
هل تصنفين نفسك ككاتبة “أنثى”؟ أم تفضلين أن تُقرأ نصوصك بوصفها “كتابة إنسان”؟

مريم الشكيلية:
أفضل كتابة إنسان، أجل.

سؤال 2:
ما الذي تغيّر في تمثيل المرأة داخل الأدب العُماني خلال السنوات الأخيرة؟

مريم الشكيلية:
الأدب النسائي العماني ليس وليد الحاضر، بل امتداد عبر التاريخ. وقد حفظ لنا التاريخ أسماء كثيرة لعبت دوراً مهماً في المجال الشعري والأدبي، مثل الشاعرة العمانية عائشة الوائلية (مواليد 1866).
اليوم، تغير تمثيل المرأة العمانية في الأدب بفتح آفاق رحبة لها، ومشاركتها في محافل داخل السلطنة وخارجها، وإصداراتها الأدبية تضج بها الصحف، وأصبح لها حضور واسع وتواصل تقديم أعمال أدبية جميلة.

سؤال 3:
هل تجاوزت الكتابة النسائية مرحلة “الاعتراف الشخصي” نحو وعي فني أعمق؟

مريم الشكيلية:
أجل، بكل تأكيد.

سؤال 4:
في زمن السرعة والتقنيات، ما الذي تخسره الكاتبة حين تكتب في فضاء إلكتروني لا يسمع إلا الصخب؟

مريم الشكيلية:
التحدي هو عداد السرعة في زمن لا يلتقط أنفاسه، وتقنيات وأجهزة قد لا تجد لقلمك وطأة. الفضاء الإلكتروني سلاح ذو حدين: جميل لأنه قرّب المسافات وفتح أبواب العالم، لكنه قد يطغى على ظهور محبرتك وسط زحام صاخب. والدليل على ذلك هو هذا الحوار بيننا على مائدة إلكترونية.


الكلمة ما زالت تجد طريقها للقارئ، حتى في ظل الضجيج، فالقارئ يتوقف عند حرف بعيد، يجد فيه انتظام الحياة.

النشر والتحرير… وجه آخر للكتابة

سؤال 1:
بصفتك محررة ومديرة مكتب لمجلة ورقية، كيف ترين العلاقة بين النص والمحرر؟

مريم الشكيلية:
العلاقة صعبة أحياناً، لأنك بين كاتب نص ومحرر يقرأ النص ويحرره. كأنك طبيب يعالج المريض، وفي وقت ما يصبح الطبيب هو المريض ويتعامل مع طبيب آخر.

سؤال 2:
هل التحرير يقتل العفوية أم يخلق نصاً أكثر وعياً؟

مريم الشكيلية:
إذا تم التوازن بين العفوية والتحرير، يمكن أن نُخرج نصاً جميلاً بعفويته وواعياً، ويحدث ذلك من خلال التأني والدقة والصبر والجهد القابل للتعلّم والنضج.

سؤال 3:
ماذا تعلمتِ من تجربة النشر العربي؟ هل الكلمة ما زالت تجد طريقها إلى القارئ؟

مريم الشكيلية:
تعلمت الكثير، وتكيّفت مع طبيعة النشر في كل مجلة وصحيفة، وتعرفت على أقلام لم أكن أتخيّل لقاءها، وتعلّمت من تجاربهم.
وجوابي: نعم، الكلمة ما زالت تجد طريقها للقارئ، حتى في ظل الضجيج، فالقارئ يتوقف عند حرف بعيد، يجد فيه انتظام الحياة.

سؤال 4:
ما النص الذي تتمنين لو لم تنشريه قط؟ ولماذا؟

مريم الشكيلية:
ليس هناك نص تمنيت لو لم أنشره، فكل نص هو امتداد لما قبله. أبذل جهدي ليكون كل نص أنشره أجمل من سابقه ويضيف شيئاً جميلاً للقارئ.


أقول للأجيال القادمة: اكتبوا كأنكم تُجدّفون في بحر متلاطم، فأقلامكم هي مشاعر الناس التي لم تَجِد التعبير. أنتم الضوء الذي ينير عتمة القلوب المثقلة.

ما تبقّى من الحلم

سؤال 1:
لو أتيح لك أن تكتبي وصية أدبية، ماذا ستقولين فيها للجيل القادم من الكتّاب؟

مريم الشكيلية:
أقول للأجيال القادمة: اكتبوا كأنكم تُجدّفون في بحر متلاطم، فأقلامكم هي مشاعر الناس التي لم تَجِد التعبير. أنتم الضوء الذي ينير عتمة القلوب المثقلة.

سؤال 2:
ما النص الذي تشعرين أنه كتبك قبل أن تكتبينه؟

مريم الشكيلية:
نص بعنوان “قلم أحمر”.

سؤال 3:
عندما تصمتين، بأي لغة يتكلم صمتك؟

مريم الشكيلية:
لغة الحنين.


ختاماً…
يظل الحرف عند مريم الشكيلية وسيلة للبحث عن الذات، وللإمساك بتفاصيل الحياة التي تمرّ خفيفة لكنها تبقى محفورة في الذاكرة.

شكراً لرفقتكم في هذا الحوار الذي نحاول معه أن نرى الكتابة كما تراها هي: مساحة للحضور والبوح.

قراءة الأعمال الأدبية للكاتبة
مريم الشكيلية

اضغط هنا


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “مريم الشكيلية: كيف تعلّمنا الكتابة أن نرى أنفسنا من جديد؟”

  1. صورة أفاتار practicallyd3a7d708f8
    practicallyd3a7d708f8

    حوار رائع ومتميز

    إعجاب

أضف تعليق