حامد موسى*
لم أكن أدري أنّ تلك اللحظات البسيطة التي عشتها قديماً مع أختي هناء فى طفولتنا وقبل مرضها، ستكون ذات يوم حطب الذكريات حين ينطفئ الدفء من البيت. كنت أكبُرها بسبعة أعوام، لكنها كانت تسكنني كأنها توأم قلبي، كما كانت -وقتها- أختى الوحيدة.
لم يكن في بيتنا القديم الكثير مما يُلفت النظر. جدران باهتة، أرضية باردة، وسقف يئنّ في الشتاء. لكن في ذلك الجدار الذي يطلّ على فناء صغير، كان هناك شيء لا يراه أحد إلا أنا وهناء: شقّ صغير نحن من حفرناه بأصابعنا.
هناء، التي ظلت طوال حياتها فيما بعد، لم تعرف الحياة، إلا وهي على كرسي متحرك، كانت تضحك من قلبها قبل أن يُقعدها المرض وهى طفلة صغيرة، إذا ما رفعتها فوق كتفي، وأخذت أتمايل بها كأننا في كرنفال. كانت تضحك، بينما رجلاها المتدلّيتان تترنحان على صدري، وأنا أمسك بيديها الصغيرتين وأرفعهما في الهواء باتساعهما، وهي متربعة على كتفي. لم تكن قادرة على المشي، لكنها كانت تطير، وتركض هنا وهناك.
كنتُ أكبر من هناء بسبعة أعوام، لكنني كنت ألصق بها أكثر من ظلّي. كانت طفلة لا تمشي، تتحرك فوق كرسيّ صغير وضعناه لها، لكن ضحكتها كانت أسرع من المرض، وأعلى من أي عجز.
في أحد أيام طفولتنا، تسلّلنا إلى الجدار، وبدأنا نحكّ الطوب بحجرٍ صغير وجدناه في الفناء. تعبنا، وتلطخت أصابعنا، وتناثر الغبار على وجوهنا، لكننا واصلنا. أردنا «بيتاً صغيراً» نصنعه وحدنا، بلا إذن من أحد. وبعد أيام من اللعب والحفر المتواصل، صار هناك فجوة ضيقة تشبه بئراً صغيرة في الجدار.
قالت هناء وهي تلمّس الحواف المتكسرة: “مين اللي هيسكن هنا؟” قلت بسرعة، كأني أتلقى السؤال من داخل الشق نفسه: “مَسّا… ده صاحبنا الجديد”.
منذ ذلك اليوم، صار “مَسّا” جزءاً من حياتنا. نأتي كل ليلة، نطفئ الضوء، ونقترب من الشق. تهمس هناء: “مَسّا… أنت صاحي؟” وأنا أردّ بصوت غليظ مصطنع: “أيوه يا هناء… مستنياكي”.
فتنفجر ضاحكة، وتضرب الجدار بيدها الصغيرة كأنها تلاعب صديقاً حياً.
كبُرنا، أو هكذا ظننّا. لكن هناء لم تكبر فعلياً. الجسد ظل على ضعفه، والمرض بدأ يتقدّم كما تتقدّم الرطوبة في الجدران القديمة؛ ببطء في البداية، ثم بكثافة لا يمكن تجاهلها.
تورّمت قدماها، وضعفت عضلاتها، وأصبح السعال رفيقها. أمي هي الأخرى صارت كجدار آخر يستند عليه البيت: تحملها، تطعمها، تغني لها بصوتٍ يهتز من التعب. أبي كان يصمت أكثر مما يتكلم، لكن عينيه كانتا تلاحقان هناء أينما جلست، كأنه يحفظ ملامحها لحظة بلحظة.
وأنا… كنتُ أحملها من وقت لآخر. كان وزنها خفيفاً لدرجة تجعلني أخاف أن أفقدها من بين يديّ، ليس لأنّ الجسد ينزلق، بل لأنّ الحياة نفسها كانت تنزلق منها.
في الليالي الصعبة، كانت تنظر إلى الشق كما لو أنه نافذة لا نراها نحن. ترفع يدها المرتجفة نحوه، ثم تخفضها بسرعة، كأنها تخشى أن لا يكون “مَسّا” موجوداً حقاً.
ومع اشتداد المرض، كانت لحظاتها أمام الجدار تطول. بات الشق هو المكان الوحيد الذي تقف أمامه بلا انكسار، كأنها تراجع معه كل ما تبقى لها من طفولة.
في مساء خريفي بارد، أخبرنا الطبيب أنّ النهاية قريبة. لم يصرّح، لكنه لم يُخفِ شيئاً. أعدناها إلى البيت، وجلس كلٌّ منا حولها بطريقته: أمي تمسّد شعرها، أبي يضم يديه في حجره، وأنا أحاول أن أبدو قوياً لأجلها… ولأجلي.
تلك الليلة، غلبني النعاس وأنا بجوارها. رأيت أبي الذي رحل منذ أشهر، واقفاً عند الجدار… عند الشق تحديداً. لم يقل سوى كلمة واحدة: “تعالي”.
استيقظت فزِعاً، نظرت إلى هناء، وجدتها تنظر إلى الجدار أيضاً… كأنها سمعت الكلمة ذاتها.
وفي الصباح، رحلت هناء. بهدوء يشبه انطفاء شمعة صغيرة.
لم تصدر صوتاً. لم تتشبث بأحد. فقط أغمضت عينيها كأنها تذهب إلى مكان تعرفه… تعرفه منذ كانت طفلة تحفر الجدار بيديها.
بعد الدفن، عدت إلى الغرفة وحدي، سافرت بذاكرتي إلى بيتنا القديم، جلست أمام الشق، وضعت إصبعي داخل الحفرة الصغيرة التي بدأ الطوب من حولها يتهاوى بفعل الزمن. شعرت بخشونته، بحرارته، كأنه يحتفظ بآثار أصابعنا نحن الاثنين. وكأنّ صوتاً من داخله يقول: “مَسّا مشي… بس هناء سايباك هنا”.
كان الشق صغيراً، لكنه صار أكبر من كل البيت. صار ذاكرة محفورة، مكاناً لا يعود كما كان، كما لا يعود القلب كما كان بعد الفقد.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بالجدار، أمدّ يدي نحوه، وأتذكر أننا نحن من صنعناه… ونحن من تركنا فيه شيئاً لا يموت.
شقّ صغير في الطوب، وشقّ أكبر منه في القلب، يسكنه الآن وجه هناء وحدها.
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.


أضف تعليق