حامد موسى*
كان يقف على ناصية الشارع كل صباح، كأنه مسمارٌ ثُبّت منذ سنوات في مكانه لا يتحرك إلا ليعيد ترتيب صندوق “رفايع السيارات” أمامه. ولاعات، حلقات مفاتيح، مرايات صغيرة تعكس وجهه متكسّراً في أشلاء ضوء.
لم يكن يكره عمله، لكنه كان يشعر أنه يقف على هامش الحياة؛ وجوده مثل ظلّ لا يلتفت إليه أحد، وملامحه تذوب في زحام المارة كقطرة في بحر.
في صباحٍ بارد، توقفت سيارة رمادية قربه. لم ينتبه. كان منشغلاً بتلميع مراية صغيرة وكأنه ينقذها من الغبار ومن نفسه. خلف زجاج السيارة، جلس رسّام بشَعر فضي، يحمل دفتراً كبيراً على ركبتيه.
كان يرى في الرجل شيئاً لا يراه هو: تنكسر عليه الحياة ولا ينكسر.
راح الرسّام يرسمه بحذر، كأنما يخشى أن يلمحه فيستعيد اختفاءه. كان يتأمل انحناءة كتفه، وطريقة وقوفه التي تشبه شخصاً ينتظر اعترافاً من العالم لم يأتِ بعد. ومع كل خطّ فحمي، كان يشعر أنّ هذا الرجل ليس بائع رفايع… بل قصة كاملة بلا قارئ.
عند الغروب، ترجّل من السيارة واقترب.
قال بصوتٍ يحمل ارتباكاً:
“سمحت لنفسي أرسمك… من غير ما تاخد بالك.”
رفع البائع رأسه، فبدت الدهشة كطفلٍ فتح للتوّ نافذة على عالم جديد. أعطاه الرسّام الورقة.
كانت الصورة تشبهه… لكنها ليست هو.
تشبه نسخة منه يعرف العالم حضورها، نسخة واضحة الملامح، قوية النظرة، محاطة بهالة صغيرة من الضوء.
وقف الرجل ساكناً، لا يملك سوى أن يرمش سريعاً لتختفي دمعة خفيفة.
ذهب الرسام إلى سيارته وعاد ومعه برواز خشبي واسع الحافة. وضع الرسمة بداخله، ثم سلّمه له قائلاً:
“البني آدم ساعات بيبقى موجود… بس من غير إطار. وأنا شايف إنك تستحق واحد.”
ظلّ الرجل ممسكاً باللوحة كمن يتلقى شهادة ميلاد جديدة.
عاد بها إلى غرفته فوق السطح، حيث ينام وحيداً منذ سنوات. بحث طويلاً عن مسمار يصلح لحمل هذا الاكتشاف، ثم علّق الصورة على الحائط المقابل لوسادته.
جلس أمامها.
حدّق طويلاً.
لم يتعرّف على نفسه بسهولة؛ كأنّ البرواز لم يضع صورة رجل… بل أعاد ترتيب روحه.
شيئاً فشيئاً، أحسّ أنّ وجوده، الذي كان سائلاً ينساب بين الناس بلا شكل، بدأ يتصلّب ويأخذ حدوداً.
لم يعد مجرد وجه عابر في شارع مزدحم.
لم يعد ظلاً يبيع أشياء صغيرة.
صار شخصاً له شكل… له إطار… له معنى.
وفي تلك الليلة، أدرك حقيقة لم يفكر فيها من قبل:
أنّ الإنسان قد يبقى ضائعاً، مهما عاش،
حتى يجد أحداً يراه…
أحداً يضع له حدوداً تمنحه معنى،
ويضعه داخل بروازٍ صغير،
ليقول له ببساطة: أنت مهم. أنت هنا.
أطفأ المصباح، وبقي الضوء الخافت القادم من الشارع يلامس صورته في البرواز.
ابتسم. لأول مرة، شعر أنه ليس خارج الحياة…
بل داخل إطارها.
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.


أضف تعليق