شرعي بالملل: حكاية الرجل الذي اكتشف اللعبة ثم صار جزءاً منها

د. عادل أزيرار – المغرب

في صباحٍ خافت الضوء، استيقظ إيدير كما لو أنّ العالم قد اختفى ثم عاد بشكل آخر. كان رأسه ثقيلا كأنه خرج للتو من قاع نهر بارد، والوقت لم يعد زمناً بل فراغاً. حوله آلات تدور في صمت منضبط، وصفوف من أجساد تتحرك بإيقاع واحد. لم يكن يتذكر اليوم الذي دخل فيه هذا المصنع، لكنه عرف شيئاً واحداً فور أن فتح عينيه: أنه لم يأت من تلقاء نفسه. ست سنوات مضت وهو غارق في نوم ثقيل، نوم يجعله شيئاً يُنقل، يُباع، ويُعاد تغليفه.

كان اسمه قد اختفى، وصار “عنصر إيقاع” في فرقة الطبالين، وهكذا اكتشف، ببرودة عقل متأمل، أنه ضحية للاتجار بالبشر، لكنه اتجار أنيق وهادئ. لم يصرخ، بل جلس بهدوء على الكرسي المعدني، كمن يستمع إلى نكتة سيئة يعرف أنه جزء منها. كل شيء حوله مرتب بإحكام، والإشارات تومض بدقة مخيفة، وهو لم يعد إنساناً، بل جزءاً من جدول طويل. نُقل من “معمل الخبرة” إلى “مصنع الآلة” كما تُباع قطعة غيار، ليس كتجارة بأجساد فحسب، بل بأدوار كاملة تُشحن وتُركب.

أدرك إيدير بذكائه أنّ المصنع يعمل بهرمية لا تُعنى بالإنتاج بقدر ما تُعنى بالطاعة. هناك فرقة اللاحِسين في القاع، وفوقها الطبالون والزمارون، ويتغلغل في الجميع فرقة الحشاشين كـ”نسغ رقابي” متناغم يهدف للحفاظ على الهدوء خلف ستار صامت كأنه ظل الجميع. الإيقاع يبدو عشوائياً للناظر، لكنه مُتعمد تماماً لتسهيل الرقابة، وفي عالم يُقاس فيه الوجود بمستوى الفائدة، فإنّ اللامبالاة وحدها عقوبة كافية.

في الليلة الأولى بعد استيقاظه، جلس إيدير يراقب الطبالين، مدركاً أنّ الناجين الحقيقيين هم من يحتفظون داخلهم، ولو بـ”حجر صغير” لا يمكن للآلة أن تبتلعه. وفي اليوم التالي، حين قرع الطبل معلناً بداية يوم جديد، لم يتحرك إيدير فوراً. تأخر نصف ثانية. كانت نصف ثانية صغيرة جداً، لم يلاحظها أحد، لكنها كانت تخصّه وحده. ومنذ تلك الومضة الصغيرة، بدأ يسمع الإيقاع بشكل مختلف؛ لم يعد مجرد ضربات، بل جدراناً تُبنى حوله بسرور آلي. في الليل، أحس إيدير ببرودة معدن صغير مزروع في عنقه، صغير جداً ليُرى، لكنه كبير بما يكفي ليجعله يتذكر أنّ نصف ثانية أخرى قد تجعل الحجر الصغير داخل صدره يتحوّل إلى خنجر. إيدير لم يعد خائفاً فقط، كان متأهباً، والنظام الذي نام فيه لسِت سنوات بدأ ينتبه له.

وما أثار سخريته التأملية هو الكيفية التي يتم فيها “تهجين” عامل الخبرة؛ كل متمرد عن الطاعة يُجوّع ثم يُطعم قليلاً قليلاً حتى ينسى نفسه ويفكر فقط في الطعام، ليجد نفسه لاحقاً مصنفاً في فرقة اللاحِسين. والصعود من هذا القاع ليس بالعمل، بل بإتقان النفاق، ليصبح المرء “خلية رقابية أفقية” تُنسق سرياً مع الحشاشين، أو يُرَقى بالزواج من ابنة حارس أو قريبة حشاش قديم. الزواج هنا ليس اتحاداً، بل “أسلوب تصنيف” يضمن الرقابة من القرب العائلي.

اكتشاف إيدير لم يكن مفاجئاً، بل نتيجة حتمية لذكاء خارق لا يقبل أنصاف الحقائق: المصنع ليس مكاناً للإنتاج، بل مصنع لتوليد الطاعة المطلقة.

في تلك الليلة، جاء الخبر إلى فيكتور عن طريق وخز مفاجئ في إصبعه، رسالة فورية من الحشاشين:

“سرجي يرى اللعبة كاملة. وحجره لم يُبتلع بعد.”

تذكر فيكتور ملف إيدير القديم: “عنصر ذو كفاءة خارقة في التحليل. تم بيعه من مصنع الخبرة بسبب عدم قابليته للبرمجة على الطاعة الأفقية. مشكلة التشغيل: التركيز على شرعية الأمر بدلاً من الأمر نفسه.”

في صباح اليوم التالي، سُحب إيدير من صف الطبالين بهدوء تام. وقف أمام فيكتور الذي قال له ببرود مميت:

“يا إيدير، لقد اكتشفت اللعبة. وهذا أمر سيئ للغاية… ليس لنظام المصنع، بل لك أنت. فالأشياء التي تُكتشف تفقد سحرها، وتصبح عبئاً يجب التخلص منه بأكثر الطرق أدباً.”

ثم أضاف بنبرة طبيب نفسي متفهم:

“خطؤنا بدأ منذ البداية عندما قمنا ببيعك من مصنع الخبرة إلى مصنع الآلة. كان هذا تصنيفاً خاطئاً. لم تُخلق لضرب الطبل، بل لتصنيف الطبالين. أنت لست عدوانياً، أنت فقط… ذكي بشكل غير مهذب.”

ابتسم فيكتور ابتسامة باهتة:

“لذا، بدلاً من إلقائك في فرقة اللاحِسين، قررنا إعادتك إلى حيث أتيت: مصنع الخبرة. سيتم تصحيح الخطأ عبر منحك دوراً صالحاً لذكائك. ستصبح جزءاً من النظام الذي اكتشفته، لكن من الأعلى. ليست مكافأة، بل تكميم مهذب للحجر الذي تملكه.”

مصنع قديم معزول عند أطراف غابة كثيفة، يلفّه ضباب رمادي يزيد من إحساس الغموض والوحشة.
يوحي بأن المكان مهجور منذ زمن، كأن الزمن نفسه توقف عند عتبته.

أُعيد إيدير إلى “مصنع الخبرة” ليس كعامل، بل كـ”مَورِد خام نادر”، هنا لم تكن المشكلة في طاعة الأوامر، بل في فهمها بعمق يفوق الحاجة للالتزام بها. زُوّد بملفات شرعية مُعدة بعناية فائقة، وثائق تثبت أنّ النظام القائم هو الأكثر كفاءة. آلية التصحيح هنا تقوم على تحويل فضوله من التشكيك في القواعد إلى إتقان تبريرها.

استُدعي إيدير بعد أيام من التحليل الصامت إلى لقاء المدير العام لـ”مصنع الخبرة”، السيد آرثر، الرجل الذي لا يتحدث، بل يهمس كأنّ كلماته تُنسج بخيوط هواء دقيقة.

جلس آرثر خلف مكتب زجاجي لا يعلوه سوى منشفة بيضاء معقّمة. مرّر عليها كفه ببطء وقال:

“يا إيدير، ذكاؤك معضلة أخلاقية بالنسبة لنا. نحن نؤمن بالخبرة، والخبرة تقول إنّ العقول المضيئة يجب أن تضيء… لكن ليس بالضرورة أن ترى.”

أجابه إيدير بنبرة هادئة:

“أنا لا أبحث عن الثورة، سيدي. أبحث عن الشرعية في الأمر. وهذا ما لم أجده في مصنع الآلة.”

تنهد آرثر تنهيدة باردة تشبه انزلاق الهواء في أنبوب وقال:

“وهذا ما جلبك إلينا. سنمنحك الكرسي الساخن، كرسي مريح جداً، ستكون فيه مستشارنا الأول، المسؤول عن غربلة الشرعية في كل قرار يخص تصنيف العمال وبيع الخبرات. أنت لن تطلب الطاعة، بل ستُصدر أسبابها.”

سأل إيدير:

“وهل لديّ صلاحيات حقيقية للتصحيح؟”

ابتسم آرثر ابتسامة لم تصل إلى عينيه وقال:

“بالتأكيد. لديك صلاحية وضع ختم شرعي أو غير شرعي على كل وثيقة. تخيّل، يا إيدير، أنك ستكون الضمير الأعلى للنظام. لن تنفّذ الأوامر، بل ستبرّرها.”

ثم وضع يده على كتفه وأضاف بابتسامة زجاجية:

“ستحصل على راتب مضاعف ومكتب في أعلى المصنع. ومن هناك، يمكنك أن تراقب الطبالين وهم يواصلون الإيقاع الذي لم تأمر به، لكنك بررته.”

وهكذا، انتهت قصة إيدير لا كبطل تمرد، بل كـ”خطأ برمجي” أعيدت معايرته بنجاح مأساوي. الحقيقة الساخرة هي أنّ إيدير لم يكن عدوانياً قط، ولم يسعَ إلى الشر. مشكلته كانت في ذكائه الذي جعله لا يركّز على الأوامر، بل على صاحب الأمر: هل يملك الشرعية المطلقة للأمر أم لا؟ هذا السؤال جعله عبئاً لا يمكن هضمه، فحوّله النظام إلى أداة لتوليد الشرعية الزائفة ذاتها.

وفي طريقه إلى “الكرسي الساخن”، لم يشعر إيدير بالانتصار، بل بالملل. جلس في مكتبه الزجاجي، يراقب من الأعلى عمال المصنع الصامتين. أخرج الحجر الصغير من جيبه – ذلك الحجر الذي يُمثل كرامته التي لم تُبع – وتأمل ختمه الفضي الجديد المنقوش عليه: “الشرعية المطلقة”.

قرر إيدير أن يختم كل قرار بختمه الفضي، لكنه أضاف لمسته الأخيرة من العبث. وضع الختم على الورق، وقبل أن يتركه يلامس الصفحة، همس لنفسه في سخرية باردة:

“شرعي… بالملل.”

كانت تلك نهايته الساخرة: لم ينتصر على الآلة، بل أصبح أكثر قطعةٍ تعقيداً داخلها، ومهمته الوحيدة أن يضمن ألّا يسأل أحد بعده سؤال الشرعية، لأنّ الجواب الوحيد الذي يقبله النظام هو ما يُختم… بالملل.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق