إيمان عابد
كثيرة هي الأشياء التي نستطيع أن نمزّقها بأيدينا وأمام ناظرينا، لكن الذكريات وحدها هي التي تستطيع أن تتوارى حتى تمزّقنا بين طيّاتها وأنين آهاتها.
تراودني ذكريات عشتها حتى ألفتُها وألفَتني، تقبع في مكان ما من ذاكرة مصارعة الحياة وتجاربها. تستلقي في ظل زمن غابر اقتطع سنواتٍ مديدة من عمري؛ أتجرّعها حيناً دواءً مسكّناً للآلام لا أستطيع دونه تحمّل قسوة الحياة أو محاولة الزحف على دروبها، وأجترّها أحياناً أخرى حتى أكابد ألم الفراق، فإذا بي أستحيل بين ثناياها أشلاء إنسان.
ذكريات جميلة ارتبطت بأشخاص امتلكوا عصا موسى في إحياء الأمل في قلبي البائس؛ أسروني بحضورهم الذي كان يقطر عسلاً، وبكلماتهم التي كانت تنساب عذوبة، وبنواياهم التي كانت تشعّ نقاءً.
أشخاص جمعتني بهم – منذ الصغر – علاقة جميلة لي أن أسميها صداقة، أو ربما هي أكبر من ذلك؛ لي أن أسميها أخوّة، وربما هي أسمى من ذلك. أشخاص أشعلوا في قلبي الشوق والحنين، وحملوني على ذرف الدمع الحزين. لم أكن لأطيق فراقهم يوماً، بل كنت أتطلع إلى لقائهم بفارغ الصبر من جديد. باتوا يشكّلون – دون أن أدري – قطعة هامّة من حياتي، ويشغلون – دون أن أنتبه – مساحة كبيرة من اهتماماتي.
هم فرحي، وحزني، وقوتي، وضَعفي، ليلي ونهاري. هم محبرتي التي أستلهم منها وحي كلماتي، وهم ريشتي التي أخطّ بها أشعاري، وأزيّن بأناملها سطور أوراقي.
وما إن تاهت عني خطاهم، وتفرّقت بنا السبل، وتبعثرت بيننا الأيام… حتى مات الزمان، ومات المكان، وماتت الأحداث، ولم يبقَ شيء سوى ذكرياتٍ تمزّقني… لكنها أبداً لا تموت.


أضف تعليق