حامد موسى*
يااه يا نُهى، كيف تختصرين كل هذا العالم الخانق الواسع في ابتسامتك العذبة العريضة وضحكتك المجلجلة، كيف تُنسينى كل عذاباتى وهمومى الخاصة والعامة حين تنطقينها بمجرد أن تسمعى وقع أقدامى على السلم..
بابا جه – بابا جه.
أضغط على جرس الباب مُتلهِّفاً أن أرخي نظراتى المتعبة على وجهك الملائكى، تلتصقين بالباب وأسمع خربشة أقدامكِ الصغيرة المرِحة، وأنتِ تختبئين مني مُداعبة أسفل المنضدة، أرى جسدكِ النحيل وأنتِ تحاولين إخفاءه مني، فأتجاهل عمداً أن أراكِ، ومن الخلف أشعر بذراعيكِ تُطوِّقاني، فأشعر بخدرٍ لذيذ يسري في جسدي.
الصمت وأنا وأنتِ والليل، والكل يغطّ في نومٍ ثقيل، أمك وأخوتك الثلاثة الذكور، وأنتِ يا نُهى وحدك التى تسهرين، تنتظرين مجيئى كل ليلة. أدخل الحمام لأغتسل، فأراك واقفة كعادتك تحملين لى المنشفة، وعندما أذهب إلى سريرى، تأبى إلا أن تنامي في أحضاني.
لماذا يا نُهى تُغدقين عليّ كل هذا الحب الذي يسع الكون كله دون أخوتك الذكور؟ لماذا أنتِ وحدك التى تسقط معك كل عذاباتي وهمومي؟ هل لأنكِ ابنتي الوحيدة؟ وهل كنتِ تعلمين؟
ينطلق صوت الآذان من المسجد القريب، قبلها استيقظت على دقات طبلة المسحراتي في الشارع. نجتمع على المائدة ونتناول السحور، بجوارى تُغالِبين النعاس، تأبى إلا أن تصومي. دعوتك كثيراً أن تفطري فأنتِ صغيرة وغير مكلفة، لكنكِ تأبين في إصرارٍ غريب.
فى الصباح أذهب إلى العمل، وتذهبين أنتِ إلى مدرستك، وقبل أن تذهبي، أتملى في عينيكِ ووجهكِ الملائكي، جدائل شعرك الناعم، وهذا البريق اللامع يشعّ من عينيكِ حناناً ودفئاً. قبل أن تذهبي تطبعين على وجنتي قبلةً دافئة، أشيّعك بنظراتي داعياً لَكِ بالسلامة.
بعدها بقليل خبر صغير يأتي به أحدهم:
نُهى صدمتها عربة وهي ذاهبة إلى المدرسة.
كلمات قليلة لكنها كانت كافية لينهار كل شيئ أمامي. للحظةٍ توقف سمعي وغامت عيناي، مسرعاً أذهب إلى المستشفى، لا أدري كيف وصلت. وجدتني واقفاً أمام غرفة العمليات، أتسائل في لهفة وأتيقن من الخبر. جسدكِ الصغير ممدد بالداخل وأنا بالخارج ممنوع من النظر إليكِ، أستحضر صورتك وأنشج بصوتٍ عالٍ:
لماذا يا نُهى أعطيتني كل هذا الحب؟
هل لأنكِ كنتِ تعلمين؟
لماذا وأنتِ صائمة تذرفين آخر قطرات دمك؟
لماذا وأنتِ ابنتي الوحيدة التي كنتُ أنسى معها كل عذاباتي وهمومي؟
لكنني واقفاً كنت أمام قبرك، وجسدكِ النحيل يدخل في فوهته غائباً للمدى، إنتحيتُ جانباً، تعلق بصري بالسماء، وانقطعت عمن حولي، رأيتكِ تستحيلين طيراً أخضر، وأسمع شَقسقة صوتك، ترفين كفراشة، وتحومين كعصفورٍ صغير.
كان المطر الذى بدأ خفيفاً، قد بدأ الآن يتراسل بشدة، خفضت بصري، كان ثمة شجرة مورقة بجوار القبر، وكان ثمة يمامة بيضاء تحط على أغصانها. رُحت أحدّق في وجهها، خِلتها تبتسم لي، أمعنتُ فيها النظر أكثر، نفس الأنف المعقوف والعينان المستديرتان.
تذكرت مقولة أمي:
نُهى تُشبه اليمامة في ملامحها ووداعتها.
رددت البصر إليها، فيم كنتُ أخالها تبتسم لي، ابتسمت لها، حتى رأيتها رفرفت بجناحيها وحلقت في الفضاء الرحيب. وجدتني أردد دامعاً حين تلاشت:
يمامة بيضا ومنين أجيبها
طارت يا نينة عند صاحبها
طارت يا نينة عند صاحبها
*صدرت له عدة كتب ومجموعات قصصية، نُشرت له العديد من القصص والمقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية.


أضف تعليق