انطونيوس عطيه*
كان لي ثوبان، منذ ماتت أمي لم يُحَكْ لي ثوبٌ جديد، فظللت ألبس ما أملك، وهما ثوبان فقط.
أحدهما كان يجعلني كالأميرات، وتبرز منه كتفايَ البيضاء كالغيوم التي تزيّن لونه السمائي الصافي. كان هذا ثوب الحياة، ارتديته في جميع لحظاتي السعيدة: يوم نجاحي، عشية عيد الميلاد، في رحلتي المدرسية إلى السيرك وحديقة الحيوان، وعند بداية العام الجديد.
والآخر كان يجعلني حزينة، ولكن كالأميرات أيضاً. خاطته لي أمي من حريرٍ أسود اللون، لكنها لم ترَني أرتديه؛ فعندما ارتديته لأول مرة كان ذلك في جنازتها. ربما لو كانت رأتني ألبسه، لعرفت أنه كبير على جسدي النحيل ويجعلني أبدو ضئيلة داخله، لكن لا بأس على أي حال، فهذا جعله مع الوقت ونضج جسدي يناسبني أكثر من الثوب الأول، إلى أن صار هذا ثوبي الوحيد.
أرتديه في كل المناسبات: كحفل تخرجي من المدرسة، في الأعياد، أول يومٍ لي بالجامعة، يوم ذكرى وفاة أمي، عندما أزور قبرها.
حتى أتيتَ أنتَ. صرتُ أخجل أن أرتديه أمامك، حتى وإن جعلني كالأميرات، لكن الحزن الذي يخيم على هالتي حين أرتديه كان يعكر صفو لحظاتي معك، يهدمها.
فرحلتُ خوفاً عليك من أن تصبح أميراً حزيناً مثلي، فلم يكن يليق بقلبك أن يحزن. وجهك كان كالقمر ينير عالمي، وإن بكى القمر سيبكي صخوره حتى ينتهي، فمضيتُ كي لا أحرم الناس ضوء القمر.
أتجول وحدي داخل ثوبي الحزين، لا أملك سوى طيف ذكرى سعيدة: حينما خلعته عني وغصنا معاً في النهر، وحينما أتيت تحت شرفتي لتغني، وكنتَ بملابس النوم. كانت لنا لحظات من الحياة خارجه، لكن لا أستطيع أن أكمل حياتي عاريةً أو بملابس النوم، فكان عليّ أن أعود لثوبي في النهاية.
والآن، ها أنت تعود لي بثوبٍ جديدٍ يناسبني تماماً، ويجعلني أيضاً كالأميرات، ولكن تلك المرة لستُ أميرةً حزينة. فخيوط الحياة التي حاكت لي منها الثوب أعادتني أميرةً سعيدة، أما هذا فارتديته في يوم زفافنا، وأحرقنا معاً القديم.
*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


أضف تعليق