انطونيوس عطيه*
كانت تلك هي المرة الأولى التي أفهم فيها قذارة الدفء. لم أكن أعلم أنّ للدفء وجهاً آخر؛ وجهاً يلتصق بك قسراً، يغلق عليك الهواء، ويذكّرك كل لحظة بمدى هشاشة الحدود بين الجسد والجسد، وبين الإنسان وظله. كنت أتمنى، بكل ما تبقّى من روحي، أن يقرصني البرد؛ أن يلسعني، أن يعيد إليّ يقين المسافة، أن يجعلني وحدي داخل جلدي. لكن البرد كان نعمة محرّمة. رفاهية لا مكان لها هنا.
تحوّلت أجسادنا إلى بضائع مكدّسة في مستودع إسمنتي ضيق، بعضها فوق بعض حتى لم نعد نعرف لمن تنتمي الأطراف التي تلامسنا. كانت قدمٌ دافئة تستقر عند أذني كأنها تبحث عن وسادة، وأنف غريب يتنفس عند كتفي، يقترب ويبتعد بتقطع يشبه بكاء مكتوم. أظن أنّ عددنا تجاوز الثمانين. مختلفون في كل شيء: طباع، أعمار، روائح، حكايات، ذنوب، ومظالم. لكننا متساوون في هذه الحفرة، حيث لا يملك أحد سوى ما تمنحه له المساحة الضيقة المحاطة بجدران متعرقة.
الغرفة لا يتجاوز طولها سبعة أمتار، وعرضها أقل من ثلاثة. معجزة أنها تحتملنا. أو ربما ليست معجزة على الإطلاق. ربما هي قسوة محسوبة، مدروسة، تُمارَس ببرود.
لك أقل من متر مربع. متر لتجلس، ولتنام، ولتتألم، ولتدخّن سيجارتك المهرّبة، ولتأكل لقيماتك الباردة، ولتستقبل صراخك الداخلي. متر لا يسمح لك بالاستلقاء كاملاً، فيجبرك أن تنام نصفك فوقك ونصفك الآخر فوق الآخرين. المتر الذي يذكرك أنك لست ملكاً لشيء، لا حتى لجسدك.
وفي الخارج، الزمن بلا معنى. لا تعرف هل هو نهار أم ليل، هل نحن في بداية يوم جديد أم نهاية يوم طويل. سبيلك الوحيد لمعرفة الزمن هو الهمهمات المتقطعة خلف الباب الحديدي؛ كلمات لا تسمعها كاملة، لكنها تكفي لتخبرك بالوقت: منتصف الليل، تغيير وردية، أو موت مجهول في غرفة أخرى.
تمد يدك اليمنى قليلاً فتصطدم بعظم كتف رجل لا تعرف اسمه. تحرك قدمك فيسقط ثقلها فوق ساق شخص يئن. في البداية كنت تعتذر، ثم اكتشفت أنّ الاعتذار هنا ترف. هنا الصمت يفعل ما لا تفعله الكلمات.
مع الوقت، صِرنا نعتاد وجوهاً لم نختر رؤيتها. وجوهاً تصحو وتنام ثم تصحو فلا يختلف شيء. وجوهاً تحكي قصصاً بلا رغبة في الحكي. لم يكن أحد يبحث عن فهم. كل ما نحتاجه هو احتمال البقاء.
أذكر الرجل الذي أدخلوه ذات ليلة، مكسور الوجه لكنه ثابت النظرة. جلس عند الباب وظل يتأمل السقف كأنّ فوقه سماء شخصية لا يراها سواه. لم يُجب أحداً، ولم يشرح شيئاً. لكن بعد يوم عرفنا أنه فقد ابنته قبل ساعات فقط، وأنه كان يصرخ في الشارع ثم انهار. العساكر لم يكترثوا لسبب صراخه. قالوا إنه “عامل دوشة” وألقوا به بيننا. منذ دخوله تغيّر شيء في الهواء. صار الصمت أعمق، أتقن، كأنّ حزناً جديداً انضم للقائمة الطويلة التي تملأ الحجرة.
كان في الركن رجل عجوز يحرك مسبحته باستمرار، رغم أنه لا يصلي. قال مرة إنه فقط لا يريد أن ينقطع الخيط من يده، لأنّ كل شيء ينقطع هنا بلا مناسبة. كان الشاب المخبول ينادي الجميع باسم واحد. حين نسأله من هو هذا الذي يسميه، يجيب بضحكة فارغة: “ده اللي مافيهوش أمل” لم يكن أحد يعرف ماذا يعني، لكن الكلمة استقرت في الغرفة كأنها جزء من نظامها.
في تلك المساحة، حتى الضحك يصبح وسيلة دفاع. كنت أضحك أحياناً. ضحكاً قصيراً، متردداً، لكنه ضحك. ليس لأنّ شيئاً مضحكاً، بل لأنّ الضحك هو التوازن الوحيد بين الانفجار والصمت.
وكلما ضاق الجدار علينا، اتسع داخلي شيء يشبه الفهم. فهم غير مكتمل، خام، بلا يقين. مجرد إدراك صامت أنّ الإنسان ليس أكثر من عبوة زجاجية تتدحرج على الأرض: إن اصطدمت انكسرت، وإن لم تصطدم مرّت دون أن تلاحظ أحداً.
في الليل، حين ينام أغلب الأجساد حولي، كنت أتأملهم بلا رغبة في المقارنة. وجوه غارقة في عرقها. وجوه تستيقظ بعين واحدة كأنها تخاف أن ترى كل شيء مرة واحدة. وجوهٌ نسيت الفرق بين النوم والغياب. هنا، النوم لا يشبه الراحة. يشبه انطفاءً مؤقتاً كي يتحمل الجسد نفسه ساعة أخرى.
أحياناً كنت أحاول أن أتذكر نفسي خارج هنا. وجهي. صوتي. الطريقة التي كنت أمشي بها في الشارع، الاتجاهات التي اعتدت اتخاذها، التفاصيل الصغيرة التي كنت أظن أنها تدل عليّ. لكن الذاكرة نفسها كانت خشنة، مبتورة. كأنني أطلّ على حياتي القديمة من ثقب الباب نفسه الذي يحبسني. لم أعد أعرف إن كنت الشخص نفسه، أم مجرد ظل يمثّل نسخة منه.
لم أشعر بالظلم. الغريب أنني شعرت بشيء يشبه الاستسلام الواعي. لا استسلاماً للذنب، ولا للقدر، ولا للحياة. بل استسلاماً لكوني جزءاً من فصلٍ لا يملك بطلاً، ولا يحتاج إلى نهاية منطقية. فصل يُكتب بضيق المساحة، وبعرق الأجساد، وبالحرارة التي تلتصق بالجلد كعقاب صامت.
كنت أعرف أنني سأخرج. هذا وحده كان يربكني. فكّرت كثيراً في هؤلاء الذين سيبقون هنا لأيام طويلة، وربما لشهور. فكرت في أهمية أن تكون عابراً في مكان لا يعترف بالعابرين. أيهما أقسى: أن تبقى، أم أن تغادر وتتركهم؟
في آخر ليلة قبل خروجي، لم أنم. كان الهواء أكثر ثقلاً من المعتاد. الحرارة أكثر التصاقاً. الزمن أكثر بطئاً. جلست وسط الأجساد المتلاحمة وأخذت أحصي أنفاسي. كل شيء كان كما هو: الضوء نفسه، الروائح نفسها، الأصوات نفسها. لكن داخلي كان يتغير. كان ينقّب عن معنى لا يعرف أين ينتهي.
لم أخبر أحداً. شعرت أنّ إعلان خروجي نوع من الخيانة. خيانة للحجرة، للأجساد التي تزاحمت فوقي، وللأعين التي اعتادت وجودي بينها. خيانة لتَشارُكٍ لم نختره لكنه حدث.
حين نادى العسكري اسمي، نهضت. شعرت بشيء ينعقد في صدري. لم يكن حزناً خالصاً ولا فرحاً صريحاً. شيء ثالث، رمادي، يشبه ما يحدث حين تغادر مكاناً لم تختر دخوله لكنه غيّرك بطريقة لن تفهمها الآن.
لم ألتفت خلفي.
ليس لأنني لا أريد. بل لأنني خفت – لو رأيتهم، لو رأيت الغرفة مرة أخيرة – أن أفهم أكثر مما ينبغي، وأن يحملني هذا الفهم إلى ظلمة أخرى لا أعرف كيف أخرج منها.
*نشر العديد من القصص والمقالات الأدبية، وصدر له مجموعتان قصصيتان ورقيتان: (كواليس 2024)، (على حافة المدينة 2025).


أضف تعليق