إيمان عابد
يوم 31/12…
يوم البدايات، يوم النهايات، يوم يطوي في ثناياه اثنين وعشرين عاماً مضت.
هذا ما كان يُلهب تفكيرها، ويُلِحّ على مخيلتها، وهي تودّع آخر يوم لها في العمل، وتجمع ما تكدّس في أدراج خزانتها من أوراق وملفات، وأعمال كتابية، وصور، ووثائق…
تراها تقلّب وتفرز وتجمع في تلك المستندات وقد استقرت أمامها ككثبان رملية، أو قمم ثلجية، وبحركةٍ لا إرادية تنفض بيدها ما تراكم عليها من غبار السنين اللاهثة، يعلو وجهها مسحة من الكبرياء، كمن أخذته العزة بالنصر، وانتشى بروح الظفر.
قد ينصهر في بوتقة يومها التاريخي هذا ساعاتٌ، وأيامٌ، وشهورٌ، وسنواتٌ، ولكن هيهات لشيءٍ أن يقتلع هذا الجبل الصامت من الذكريات المحفورة في اللازمن، أو يزيح هذا الركام الدافئ من الأواصر والروابط التي جمعتها بأناسٍ عرفتهم وعرفوها، عايشتهم وعايشوها، ليسكنوا أعماق القلب والوجدان.
تذكر أنّها بدأت عملها فتاةً يافعة، في فورة شبابها وعطائها وحماسها، وهي الآن زوجة وأمّ لأبناء كبار، وجدّة لأحفاد صغار. بلّغت ما عليها بإخلاصٍ وتفانٍ منقطعي النظير.
تجرّ أمامها هذه الأكوام المتكدّسة، تشعر وكأنّها تجرّ خلفها تعب كل تلك السنوات المضنية. لقد أُثقل كاهلها، وضاقت نفسها، فاختارت الرحيل. نعم، آن للفارس أن يترجّل بعدما طال به المكث هنا.
هي تؤمن أنّ البدايات أخت النهايات، وأنه يجب ألّا تختلف البدايات عن النهايات؛ فما زال أمامها الكثير لتمضي في ركبه مع قطار الحياة إن شاءت لها الأقدار، فالعمر لا يفنى في شهقة واحدة.
تقف منتصبة، تمسح حبات العرق التي أخذت تتراقص على جبينها، تترقرق دموع خجلى في عينيها اللتين تعلّقتا بالأفق البعيد. تأخذ نفساً عميقاً، تتابع ماضية نحو خط النهاية؛ فقد دقّت ساعة الرحيل، وأذنت لحظة الفراق، وحُمّ ألم الوداع. تحمل حقيبتها، تلتفت خلفها، ترسل نظرة ضبابية أخيرة إلى كل ما كان، ثم تمضي؛ فلم تكن تريد يوماً إلا أن تلثم وجه السماء.


أضف تعليق