نبيلة غنيم

وقفتْ تتأمل الصورة المرسومة على بوابة المدرسة، الصورة تغطى الباب بأكمله، رجل طويل بديع القسمات، يعتز بذاته وكأنه قائد حرب، أو زعيم من العظماء.

دهشتُها جعلتها تتساءل: من هذا الذي تنتصب صورته لتغطى بوابة المدرسة بكاملها، المدرسة حكومية وليست خاصة؟!

دخلتْ مكتب المدير لاستلام العمل، وجدته هو… صاحب الصورة، يجلس بهيلمانه يستقبلها بحفاوة مبهرة وكأنه يعرفها، غشِيها صمت رهيب أمامه، فبرغم بساطته إلا أنه يتسربل بهيبة غريبة، وجهه يحمل ملامح طيبة لكنها صارمة، عنف وقاره لم يمنع جرأة عينيه من اختراق وجودها، أشار لها بالجلوس، جلست على استحياء، قرأت اليافطة الموضوعة على مكتبه “وجيه الديب- مدير المدرسة” تجاذبا الحديث حتى ولج “الديب” رأسها بسحرٍ خاص جعلها تسرد حياتها وتفرشها على مكتبه دون حدود أو فواصل على غير عادتها، قدمت له نفسها: “رويدا عزيز- مُدَرِسَة لغة إنجليزية”.

المُدرسة التي فقدت جزءاً كبيراً من حياتها، كانت جراح قلبها مازالت تنزف، وعقلها لم يستوعب قط ما حدث لها، كان قلبها يحمل حباً لم تعرفه البشرية، غمرتْ به زوجها الذي جعلها تنسحب من حياته بين عشية وضحاها إثر جملة قصيرة قالها بحروف متقطعة في ليلة عامرة بالبهجة، في وقت غير متوقع: “سأتزوج لأنجب طفلاً”…!

مادت بها الدنيا لأنه كثيراً ما قال لها: “أنا لا أريد غيرك، فأنتِ حبيبتي وابنتي، واسمحي لي أن تتخذيني ابناً لكِ”.

كانا عاشقين لم تَجُد الدنيا بمثلِهما، لكن عرش الحب انهار فور سماعها لهذه الجملة، تركت له الحياة بأكملها وغابت عنه بعيداً.

بسرعة فائقة اجتر ذهنها العديد من الذكريات التي كانت تحاول شطبها حتى تستطيع البدء في تهيئة حياة جديدة، لكن يبدو أنّ أحداث الحياة لا نستطيع محوها مهما استبدلنا الأمكنة وغيرنا نمط الحياة، تُلازمنا الذكرى كظلنا، لا تنفصم عنا مهما حاولنا الانفصال عنها.

لم تعرف لماذا فتحتْ له قلبها وأفضتْ في سرد حياتها له بهذه البساطة، ربما لمحتْ فيه بعضاً من أبيها في صرامته الحانية وجاذبيته الرصينة المغلفة بالحزم، أو أنّ استقباله لها كان كاستقبال أخيها الودود!!

وربما فاض بها كيل كبت آلامها وحان وقت تفريغها مع من توسمتْ فيه الفهم والتقدير.

سارت الأيام بهما، جمعهما ود صريح، صار يحكى معها عن نفسه، مع علم الجميع بغموضه وأنه لا يحكى عن نفسه مع أحد من قبل، تملّكتها غِبطة سابغة، خيوط حريرية توثق ما بينهما مع مرور الوقت.

الانبهار به يأخذها كلما رأته يدير الأمور بحِرفية غير معهودة، حادثة غريبة هزّت أرجاء المدرسة فقد هاجمها بعض الأشقياء، عملوا على تخدير أمن المدرسة وكلاب الحراسة واستولوا على جميع كوالين الأبواب والشبابيك حتى حجرة التدبير المنزلي والمعمل، تم نهب جميع القطع الحديدية والنحاسية وكل ما خف وزنه وثقل ثمنه.

لكن ا”لديب” استطاع بحِنكته معرفة الفاعلين وأشار إلى أحد العمال بإحضار أحدهم، وبلطف جعله يرشد عن باقي أفراد العصابة، أحضرهم جميعاً وتحدث معهم وكأنه يقرأ عليهم تعويذة سحرية؛ فراحوا يُقبّلون يده ويتهدجون باسمه، احتواهم، حوَّلهم إلى عرائس متحركة، أحاط بجميع خيوطهم وثبّتها بيده، فهو ديب حقيقي، يراوغ فريسته حتى تخضع لجبروته وتُسَلِم زمام أمرها له.فجعل هؤلاء الأشقياء يقومون بأعظم الأشياء من أجل إثبات ذواتهم أمامه، فهو يُحسن تطوير الأفراد واستخراج أفضل ما لديهم، ينشر بينهم ثقافة جديدة يبُثها في روح فريقه، كأنه قائد أوركسترا يدير ظهره للجمهور بينما يشير بأصبعه ليصنع أعذب الألحان.

وبقدرة قادر حوَّل هؤلاء الأشقياء إلى صالحين فاعلين في المجتمع، وأعادوا كل المسروقات إلى وضعها الطبيعي، وأبرم معهم اتفاقاً مفاده أنه تعاقد معهم ليكونوا عمالاً تحت إدارته بأجر يكفُله لهم بنفسه.

فقد كان يدير العمل بطريقة مختلفة، خارج الأعراف والقوانين -أي خارج الصندوق- حيث كان الاتفاق على الدروس الخصوصية داخل المدرسة لا خارجها، يتفق مع المدرسين على مبلغ معين وباقي العائد يضعه في صندوق خاص بالمدرسة، يصرف منه مرتبات للعمال الذين كفل لهم العمل معه.

كانت “رويدا” ترى ردود فعله العبقرية وشخصيته غير الهيّابة، فلم يتخذ يوماً منهجاً معتاداً ولم يستطع اتباع تعليمات ونصوص مفروضة، فهو صانع النصوص والقوانين التي تتماشى مع المحيطين به، يتعامل مع العالم بمنطقه هو، لا تعنيه لوائح، دون أن يعترضه أحد، ورغم خروجه عن اللوائح والقوانين إلا أنه كان ناجحاً في إدارته للعمل والبشر، الكل يعلم أنّ كلمته سيف، قانون، لائحة يجب اتباعها.

هو لم يفشل إلا في الحب، وإدارة التعامل مع المرأة عموماً، فقد عشق “رويدا” بطريقته، سألته يوماً عن سبب انفصاله السريع عن زوجته الأولى، فقد حكى لها قبلاً أنه لم يمكث معها غير بضعة أشهر، ولم يُعِد الكَرة والتفكير في الزواج مرة أخرى.

فأجابها باختصار بأنها قالت له: لا …

حاولت أن تستفهم: أي “لا” تلك التي تهدم علاقة مقدسة؟! لكنه لم يفصح بأكثر مما قاله، والتزمت هي الصمت وعدم فتح ذلك الموضوع، يكفيها أنها فهمت أنه لا يستطيع التعامل مع كلمة “لا”، كوالدها تماماً، وهي تُجيد التعامل مع هذه الشخصيات.

فهمت منه أنه لا يفكر في الزواج، لكن لهفته عليها وطريقة حديثه معها وكل تصرفاته تقول غير ذلك، خاصة أنها عندما عادت من إجازة طويلة نسبياً، وجدته يستقبلها بابتسامة مغلّفة بلهفة قائلاً بصوت حنون: خبريني كيف لغيابك كل هذا الحضور؟

أطرقت خجلاً ولم تستطع الإجابة، لكنه عاجلها بمُراده في التقدم لها حتى يضمن عدم بُعدها عنه مرة أخرى.

وكان يوماً مشهوداً حين مهدت “رويدا” اللقاء مع خالها الرجل العظيم “عبد الحميد بك” -فهو بمثابة الأب بعد وفاة والدها- لم يكن “وجيه” يعلم أنّ خال “رويدا” بهذا القدر من الهيبة والثراء، شعر بتضاؤلٍ ما أمامه، ذلك الشعور الذي يبغضه، أو يتنافر معه، فالأقطاب المتشابهة دائماً ما تتنافر.

 كان “عبد الحميد بك” يريد تأمين حياة “رويدا” فراح يُملي عليه شروطه، فإذا بوجيه يستشيط غضباً ويُنهى الجلسة بعبارات صادمة، وبأنه لا يقبل اشتراطات أحد، وما لأحدٍ أن يأمره.

أطبقت “رويدا” شفتيها معترضة على ردود فعله القاسية، فلم تكن تتوقع هذه النهاية المؤسفة، هاجمتها الأسئلة: هل لغة القلوب كاذبة؟ أم هي وَهْمٌ يتنافس مع العقل ليهزمه؟!

أم أنّ ما حدث مجرد مغامرة مثقلة بالاحتياج، لم تفهم ما هذا الذي شعرت به تجاهه، وما وصلها منه على أنه حب خالص؟!

هي كانت تبحث عمن يرافقها الطريق لتستقوي على الحياة به، كيف خانها حدسها، هل هي صدّقت زعمه بتضخيم نفسه، فرأته بالفعل أكبر مما ينبغي له؟!

قابلها في المدرسة ليأمرها بأن توافق على الزواج به بعيداً عن خالها المتعجرف.

نظرت إليه نظرة تحمل عتاباً وتوبيخاً يعقُبها رفضاً باتاً.

انفصل عن هدوءه معها وجن جنونه، فها هي لا تقبل عرضه وتخالفه، لا.. بل أعلنت رفضها له بعدم قبولها اقتراحه.

رأت الشرر يخرج من عينيه، فأخرجت ورقة من حقيبة يدها بنقلها وسلمته إياها.

وَقَّعَ على طلب النقل ويده ترتعش، فهو مكابر عنيد، يكره الإحساس بالدونية، يأبى الاعتراف بالخطأ، هو دائماً يريد أن يثبت أنه أعلى من الزمان والمكان وفوق كل رغباته.. حتى ولو كانت “رويدا” تُمثل له الحياة، اكتفى بأن يحتفظ بصورتها في جيبه، يُخرجها كلما اشتاق لها، كان يخاف أن يموت منفرداً بعيداً عنها، صار أصدقاء القهوة يشاركونه يومه حتى كانت نهايته بينهم ممسكاً بصورة “رويدا”.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.