القطعة الأخيرة..  صفحة من مذكرات طبيب ما

هناء العوامي*

طلبتُ من الممرضة خيطاً جراحياً بمقاسٍ معيّن، لكنها أعطتني مقاساً أكبر منه، فنبهتها إلى خطئها وأنا أكاد أنفجر غيظاً… لكنها أخبرتني ببرود أنّ المقاس الذي طلبته قد نفد، وأنّ المقاس الذي في يدي، أحاول عبثاً أن أرتق به شرايين المريض، هو أقرب مقاس متوفر.

كنتُ قبلها قد طلبتُ بعض الشاش مقاس 12 إنش، لكنها أعطتني حجماً قد يصلح لو أنني كنتُ أُجري الجراحة على ساق فيل، وليس على ساق هذا الصبي النحيل سيّئ التغذية.

هي تعتبر جراحة بسيطة إلى حدٍّ كبير في الظروف العادية، لكن سوء تغذيته وعدم توفر معظم المضادات الحيوية التي نعتمد غالباً عليها قد تجعل جسمه أقل قدرة على محاربة الالتهابات، وقد لا ينجو.

كما أنّ طبيب التخدير اكتفى بإعطائه منوّماً، لأنّ مسكنات الألم المتوفرة لديه محدودة جداً، ما جعلنا نعمل على أنغام أنينه المتواصل. لا أريد التخلي عن الجراحة لزميلي الأكثر خبرة، والذي وبّخني وهو يقطع الخيط الجراحي الذي عقدته لتوّي، لأنني يجب أن أكون أكثر سرعة؛ فنحن لا نضمن أن تنقطع الكهرباء في أية لحظة، وعندها سيتعين عليّ أن أعمل على إنارة كشافات الهواتف المحمولة للممرضات وأطباء التخدير.

كما أنّ إنهاء العملية بسرعة سيقلل، كما نأمل، من احتمال حدوث الالتهابات. كذلك بدا لي في صوته شيء من السخرية وهو يخبرني بأنّ الممرضات لو تجاهلن طلبي لبعض المواد التي أحتاجها من أجل الجراحة، فهذا يعني على الأرجح أنها ليست متوفرة، وعليّ أن أتدبر أموري بدونها.

كنتُ قد طلبتُ منها للتو شيئاً آخر، أخبرتني بأنه غير متوفر، ثم عدّلت وضع المصباح الجراحي فوقي على سبيل المجاملة، ما جعلني أُصدم لأنني شعرت أنني كنت أعمل قبل ذلك في الظلام، فيما كنتُ مُسلِّماً أنّ هذه الإنارة البائسة هي كل ما يتوفر هنا..

كان العرق يحتشد على جبيني برغم برودة المكان، لكنني تنفست الصعداء أخيراً حين انتهت الجراحة، وقدمت لي نفس الممرضة ما أحتاجه للضماد قبل أن أطلب… باستثناء…

“أريد المزيد من الرباط الضاغط”.

“القطعة التي فتحتها لك هي قبل الأخيرة، إذا احتاج مريض آخر رباطاً ضاغطاً فقد تضطر إلى لف ساقه بملابسك”.

قالت ساخرة، فأكملت لف الساق وأنا أبتلع غيظي، لكن زميلي – الأكبر سنًّا والأكثر خبرة – أثنى على عملي مشجعاً:

“يجب أن يكون الرباط محكماً ليوفر عزلاً لمكان العملية، ولكن ليس مشدوداً أكثر من اللازم لكي لا يؤثر سلباً على تدفق الدم، وأنت فعلت المطلوب تماماً”.

كدتُ أصرخ فيه أنني أريد أن يفتحوا لي القطعة الأخيرة من الرباط الضاغط.

كنتُ أشعر بالجوع، فلم آكل خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة سوى بعض الفول مع الخبز والبصل، كما أنني لا أتذكر متى آخر مرة نمتُ فيها.

سأذهب إلى استراحة الأطباء، فلربما أحضروا بعض الأكل بينما كنا نعمل في تلك الجراحة.

ولكنني إذ توجهتُ إلى الاستراحة فوجئتُ بها تقذفني بعنف إلى حيث جئت، كان مستشفانا قد قُصف، وهذا كما تعلم ليس أمراً نادر الحدوث في غزة مؤخراً.

رأيتُ، وأنا على وشك الإغماء، ساقي وهي تنزف بعنف.. ثم رأيتُ الممرضة – هي نفسها – تلف ساقي بالرباط الضاغط إياه!

الحبة الأخيرة منه، وذلك قبل أن تهرب وتتركني لمصيري.

شممتُ رائحة غبار مختلط برائحة أشياء تحترق، وشعرتُ بدوار شديد.

أما الألم فقد كان يطل من نفق بعيد، وكأنه ألم شخص آخر، ثم لم أعد أشعر بشيء.

*كاتبة سعودية تكتب عن الإنسان وتحوّلاته، تمزج في أعمالها بين الخيال والتأمل، وتتنقل بسردها بين الواقع وأبعاده النفسية والفكرية.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق