نبيلة غنيم

مهمتها في الحياة هندسة كل ما يحيط بها، كل موضوع يأخذ أبعاداً وزوايا من صنع يدها، كل كلمة لابد أن تمر على مسطرتها، تتخيل أنّ البشر ما هم إلا قطع من الصلصال اللين، تشكّله حسب رغبتها، الكل يدور في فلكها لا يجترئون على الانحراف عن صراطها المستقيم، حتى زوجها الرجل المحب الثري تنتابه بعض السذاجة أمام سطوتها وعنف دقتها، لم تحتمل حبه الجارف الممهور بالضعف، استبعدته في كل الأمور حتى طفح كيله، راح يستنجد بالحب وصِلة القرابة بينهما التى يُقدرها حق التقدير حتى تخفف من حدتها، لكنها صمَّاء، نَحَّتْ قلبها جانباً وجعلت عقلها سيد كل المواقف، ضعفه وحبه الخانع جعلها تستأسد عليه، تراه دون مستوى عقلها الذي رسم للرجل شكلاً مختلفاً، لكنه أبدى لها انسحاباً لتُهيمن على أمور حياتهم جميعاً، وصار مجرد حافظة نقود فحسب.

سياط فكرها تلهب ظهر من حولها، حتى هربوا من سيف سطوتها.

رسم ولداها حياتهما كما أرادا، فتحا معاً شركة هندسية بمساعدة مادية من والدهما، وتزوجا، لم يعد لها غير زوجها المحب، تنظر إليه في كبرياء وينظر إليها في شفقة، انتظرت أن تنفرط شفقته إلى فعل يحتضن دموعها المتحجرة برغم الجبروت الساكن فيها، لكن وجهها المتجهم أطفأ الكلام في فمه، لم يعد لهما غير مزاج مبعثر على طاولة الأيام الرتيبة، انشطر كل ما بينهما نصفين، أصبحت وحيدة، لم يعد لها أمر أو نهي إلا على زوجها الذي زرعت بداخله التمرد، راح يفكر في الاستقلال بحياته دونها، راحت هي الأخرى تفكر في أسباب رفض الحياة معه بعد انقضاء ثلاثة عقود، لم تنتبه فيها إلا إلى الحسرة على حظها العاثر، وصورة زوجها كخيال مآته، برأس ضخم متخم بالقش وجسد منتفخ بحشائش عَطِبة، شعرت بأنه لص سكن حياتها، تضخّم مارد الرفض بداخلها، طاشت أفكارها ولم تُجانب الصواب.

راحت تصب جام غضبها على رأسه حتى أحالت حياته جحيماً، بحثاً عن حائط الصد الذي كان يحول بين اشتعالهما فلم يجدا سوى الفقْد.

أراد الزوج الهروب من براثنها، خرج هائماً على وجهه، ساقته قدماه إلى حلقة ذِكر أمام مسجد شهير، وقف بين الذاكرين، ترنح معهم ببطء شديد، شعر بتناثر الهموم التى أثقلت رأسه، كطير أرضيّ اغتسل وراح ينفض ما زاد عن جسده من ماء، راحة نفسية تغمره، نسَى اسمه وتاريخه كله، طالت لحيته، اتسخ هندامه، غارت عيونه داخل وجهه الأسمر المستدير، ضاعت وسامته.

ظلّت أسرته وزملاء العمل يبحثون عنه، شبَّه عليه أحد أصدقائه، تيقن منه، ناداه باسمه، لم يلتفت، هزّه هزّةً عنيفة، لم ينتبه، جرَّه جرّاً إلى سيارته وهو في حالة رفض تام، أخذه إلى المستشفى حيث بدأت عملية التطهير، ظهرت ملامحه، إلا من بعض شحوب وهزال!!

قرر الطبيب بأنه مصاب بـ “شرود هستيري” جعله ينسى الماضي الذي رفضه، جاءت زوجته على عجل، رأته مغيباً، هطلت دموعها، تذكّرت العمر الذي سَال على أرضية حياتهما، فأنبتت ولداها اللذان يحيطان بهما اليوم، شعرت بأنها لابد أن تحافظ على هذا الحضن الذي يجمعهم.

نظرت إلى زوجها الشارد، تمنت أن تصبح مثله وتنسى كل شيء، اكتشفت أخيراً أنها عصفور سقط ريشه، ومحاولاتها في استعادة سطوتها وتسلّطها ستكون فاشلة.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق