هبة الله حمدي*
تجلس على رصيف المحطة بانتظار القطار، يتراكض الصغار حولها، ولد وبنت صغيرة ربما في الخامسة، ورضيع لا يجاوز السنة في حجرها، تصيح كل فترة:
– يا علي متبعدش، سما قرّبي هنا، ترفع صوتها الذي يبرز على رصيف تلك المحطة الهادئة نسبياً كونها في إحدى مراكز الأرياف.
– خلي بالك من أختك يا علي.
يرن هاتفها، تخرجه بعد لأي من حقيبتها المنتفخة، تتحدث وعينيها ممزقة بين صغير في حجرها وأولاد يرتعون..
يتأخر القطار عن موعده، قُرابة الساعة وهي جالسة، تُجلس الصغار عنوة جوارها ثم يتململون، فتخفف قبضتها قليلاً، تدس جنيهاتٍ قليلة في كف الولد، تقول بحنان: اشتر شيئاً لك ولأختك..
تهدهد الصغير في حِجرها والذي لا يهدأ، تمُط حجابها وتدسه أسفله، كان واضحاً أنها ألقمته ثديها، صارت تحرك رأسها بحرص وتحكم ضد الطرحة التي تُمسكها بيدها اليسرى، والأخرى مخبأة أسفل الطرحة..
تدير عينيها اطمئناناً على الصغار، تقترب الصغيرة من حافة الرصيف، تصيح بعلي: الحق أختك..
لكنها حين كانت ترفع الصغير بعد أن شبع، والقطار يوشك أن يدخل المحطة، إذ بالصغيرة تقف على حافة الرصيف مُثنية جسدها، لتلتقط الحلوى التي سقطت منها، انزلقت إحدى ساقيها من الرصيف، وصارت مهددة أن تنزلق الساق الأخرى، في لحظة لمحتها وصوت القطار يتعالى، انتبه أحد الجالسين على بُعد عِدة مقاعد منها، صاح وصاحت: البنت.
وفي لحظة استقامت ورغم أنّ المسافة كانت حوالي خمس خطوات، قطعتها في خطوتين اثنتين، وهي تحمل الرضيع بيد، كانت تلهث، توشك على البكاء، أحنت ظهرها، ذراعها اليمنى مثنية على الوليد، مدّت ذراعها اليسرى احتضنت الصغيرة رفعتها، ابتعدت خطوتين عن الرصيف، وهي بعد لم تفرد ركبتيها تماماً، سقطت قُرب المقعد، مرّ القطار بعد ثانيتين تقريباً من انتشالها الصغيرة..
لكزت الصغيرة، ضمتها، نشجت، كانت أنفاسها متلاحقة، وخديها مبللتين بالدموع، اقترب بعضهم، ربتت إحداهن على كتفها الحمد لله جات سليمة، ثم انصرفوا..
بقيت جالسة، تضم الصغار، علي وسما والرضيع، مضى القطار وبقيت جالسة!
حدث أن آلمها ظهرها، بعد تلك الحادثة، قال الطبيب أنّ غضروفاً انفجر وضغط على منشأ العصب، بفعل تلك الحركة الخاطئة!
كانت كلما نهشها الألم، ضمت الصغيرة وهي تلهث بالحمد!
*أخصائية العلاج الطبيعي، كاتبة شغوفة، قارئة، مهتمة بالأدب والعلوم.
أرى أنّ الأدب هو الطريقة المُثلى التي ابتكرها البشر للتعاطي مع مصائبهم دون أن يفقدوا روحهم.


أضف تعليق