محمد الصغير
أعلم جيداً.. أنّ كل ذلك لن يجدي، لكن ماذا عساي أن أفعل، لابد أن أفعل شيء، أي شيء، كان المنخفض الجوي البارد على الأبواب، الجميع يحاول أن يتخذ التدابير اللازمة للتخفيف منه، لكنني أعتقد أنه بدون جدوى، ومع ذلك، فلن أقف مكتوف اليدين، جميع من حولي يقوم على إصلاح خيمته المهترئة بالأساس، وهي عبارة عن قطع قماش، أغلفة بلاستيكية كبيرة، احتفظوا بها يوماً، مع الإعانات التي تصلهم من وكالة الأونروا للاجئين، وأي شيء يمكن أن يسد احدى فتحات الخيمة الكثيرة، تبدأ بحجم عقلة الإصبع، ومع أول ريح تكبر لتصير بجحم كف اليد، ونُعاود إصلاحها ثانية، وهكذا تدور عجلة الإصلاحات التي لا طائل منها، لكننا يجب أن نستمر في العمل، لا خيار أمامنا، إما الصمود أو الموت على أعتاب فصل الشتاء.
ولا أظن أحداً ينوي الموت قبل أن يعود إلى بيته، في عسقلان، حيفا، يافا، وعكا، هناك بيوتنا، كنت صغيراً، في التاسعة، عندما حلّ علينا غراب الشؤم، أتذكر ذلك المشهد جيداً، رفس الجندي الباب، فخلعه، وصرخ على من بداخل البيت، بأن يخرجوا، كانت الساعة في تلك اللحظة في الثانية فجراً، الجميع نائم، استيقظنا على صوت الصراخ، وكسر الباب، لم يكن هناك شك بأنهم جنود الاحتلال، كانت تُراودنا المخاوف، كنا نتوقع قدومهم، ومع هذا، تشبّثنا بالأمل.
قال والدي أنه لن يخرج من البيت.. وسيبقى، ساندته أمي، وقفتُ أنا وإخوتي الأحد عشر، سبعة أولاد، وخمسة بنات خلف والدي، أين سنذهب إن خرجنا من البيت، لا شيء يمكنه أن يُزحزحنا.. أكمل والدي حديثه واستغرق بالتفكير، عاد كلّ شيء إلى حاله، هدوء يشوبه القلق والخوف، وكأنّ على رؤوسنا الطير، وحال أمي كحال أبي، لم تكن لتستسلم يوماً، كانت تزرع فينا حُبّ هذي الأرض، ودائماً ما تحكي لنا حكايات الأجداد وحبّهم لهذه الأرض المباركة، هنا عشنا، وسنموت هنا، كانت دائماً ما تردد هذه العبارة.
خرج والدي إلى الجنود، إيش بدكم؟، قالها وكان وجهه محمراً وكأنّ بركاناً سينفجر، عليك تسليم البيت، قالها الجندي الذي يقف في الخلف، كان قائدهم، ولماذا؟ هذا البيت بيتي، رد أبي، لكن الجندي، ابتسم ابتسامة خبيثة، طأطأ رأسه للأسفل لبرهة، وقبل أن تلتقي عينيه بعيني أبي قال، عليك أن تخرج يا حجي، هذا البيت لم يعد بيتك، صرخ أبي بحدة، هذا بيتي.. وما راح أطلع منه فحاول أحد الجنود أن يمسك بأبي، وفجأة سمعنا صوت إطلاق نار، كنتُ أنظر إليهم في الدور الثاني، من طرف الشباك الذي يطل على ساحة البيت، لقد أطلقوا النار على أبي، لقد قتلوه، سقطتُ أرضاً لم أقوَ على الحركة، وسمعت صوت أمي، وقد خرجت من خلف الباب، احتضنت أبي، وبكت، خرج أخي الكبير نادر، هجم على الجندي الذي أطلق النار، فضربه آخر بسلاحه على رأسه، فسقط مضرجاً بدمه، وراح الجنود يتضاحكون على هذ المشهد.
بعد مضي سنوات، تفرقنا جميعاً، هناك من ذهب إلى دول الجوار.. المخيمات، وآخرون ارتحلوا إلى أوروبا، وبقيت مع أمي وأصغر إخوتي هند في فلسطين، استقر بي الحال في مخيم الشاطيء في غزة، كانت أمي ترنوا لأن تعود يوماً إلى عسقلان.. إلى بيتنا، لكن الموت كان أسرع، كبرت هند، وصار لديها أسرة من خمسة أطفال، استشهد زوجها في الحرب، وبقيت قريبة مني، خيمتها بجوار خيمتنا، أطفالنا يكبرون، ويوماً ما سيعودون إلى عسقلان.


أضف تعليق