عبدو بليبل

وحينَ نظرتُ في المرآةِ لأرى وجهي… لم أره.

كان الزجاجُ كما هو، صامتاً، شفّافاً، لكنَّ الوجهَ غاب.

كأنَّ شيئاً انطفأَ دون صوت، كأنَّني خرجتُ من إطارِ الصورة، وتركتُ المكانَ يتيماً، ينظرُ إليَّ كما تنظرُ المرآةُ بلا انعكاس.

لم أصرخ، ولا ودَّعتُ أحداً.

كلُّ ما في الأمر أنّني لم أعد هناك.

سألَ أحدُهم في الغياب:

«أين هو؟»

فقالوا، ببساطةٍ باردة:

«مات».

هكذا…

كأنَّ الموتَ حدثٌ صغير، يُحكى على عتبةِ الوقت!

وكأنَّ الوجوهَ التي نراها اليوم، لن تكونَ غداً في أيّ مرآة.

إنَّنا نعيشُ على حوافِّ الذكرى، نمشي إلى المرايا بأجسادٍ مُرهقة، ولا ندري…

متى تُصبحُ المرايا بلا انعكاس، وتَصيرُ الأماكنُ بلا أسماء.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

رد واحد على “ذاكرةٌ في المرآة”

  1. الشحّاذ

    بقلم: عبدو بليبل

    في أحد أيّام الشتاء القارسة، خرج فتىً صغيرٌ من كوخه الهزيل، وهو يرتجف من
    شدّة البرد والصقيع، فراح يجوب الأزقّة بحثًا عن الرزق والطعام، وهو يسير
    متخفّيًا بقبّعة سوداء ومعطفٍ ممزّق، يلفّ جسده النحيل البارد.

                          ★★★
    

    كان صباحًا عاصفًا، تُلاحق فيه الرياح أوراق الأشجار الهاربة، وتُجابه الأغصان
    المنهكة، فتقصم عظامها الواهنة، وتُلقيها جثثًا تصطفّ الواحدة تلو الأخرى.

    فالغيوم السمراء تتزاحم ثم تتلاطم، فتحجب بتمدّدها السماء الزرقاء. أمّا الريح
    فتصفر نافخةً في أبواقها، صاخبةً في المغاور، مدوّيةً في الأودية العميقة،
    قاصمةً ظهر الأشجار.

                          ★★★
    

    وحده كان يعدو في الطريق، ويخطو في الأزقّة كشبح، أو كخرقة بالية تتطاير في
    الهواء، كأنّها تروم إلى تمزيق نفسها إربًا، فتتلاشى أو تختفي إلى الأبد.

    هو شاحب الوجه، حزين القلب، مكسور الجناح، لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.
    يحمل بيده كيسًا فارغًا، وفي الأخرى عصًا غليظة. كان يحدّق في كلّ اتّجاه
    وناحية، ثم ينعطف نحو الأزقّة الضيّقة، لا يرنو إلى مكان، إنّما يجري دونما
    هدف.

                          ★★★
    

    وحين بلغ زقاقًا ضيّقًا مكتظًّا بالمساكن والأبنية العتيقة، حيث يتجوّل الباعة
    والناس لتأمين متطلّبات العيش، وجد رغيف خبزٍ محشوًّا في كيسٍ من الورق قرب
    شرفة بيتٍ قديم. فتوسّعت حدقتاه، وتسارعت خطاه، فأخذ الكيس، ثم جثم تحت سقفٍ
    من الخشب الرطيب، وأخذ يأكل الخبز وكأنّه في وليمة.

    في تلك الهنيهات بدأت الأمطار تهطل بشدّة، فراح الناس يهرولون هربًا من المطر،
    وهم لا يكترثون لأمر الفتى الصغير كعادتهم، بل يسرعون الخطى إلى بيوتهم جزعًا
    من البلل، وفرارًا من العاصفة الهوجاء.

    ★★★

    مرّ الوقت ببطء شديد، والشمس الملتحفة وشاح الغيوم أخذت تميد نحو المغيب. أمّا
    الطفل فتابع تجواله في الأزقّة والدروب بحثًا عن رزقه، وهو كالعادة لم يوفّق
    إلّا بالقليل القليل من المال، أو ما يجده من بقايا الطعام، ثم يعود بعد ذلك
    بخطواته الوئيدة إلى كوخه المتواضع.

    وفي طريق عودته وجد قطة صغيرة مرقّطة تموء وترتجف من البرد والجوع، فاقترب
    منها ليضع يده على رأسها ويداعبها برفق وحنان، ثم تابع سيره ناظرًا إليها
    بإشفاق وعطف، فتلحقه حيثما يسير. إلى أن دنا منها مرّة أخرى فحملها بين
    ذراعيه، ومشى هادئًا إلى بيته. ومن تلك اللحظة صارت الهِرّة الصغيرة صديقته
    ورفيقة دربه، يلاعبها ويهتمّ بها، يطعمها ويحدّثها، ولم يفترقا بعد ذلك ولو
    لمرّة واحدة.

    ★★★

    وفي يومٍ عاصف، كانت الأمطار تتساقط كالرصاص، فتحوّلت الطرق في تلك الناحية
    إلى أنهار ومستنقعات. وبينما كان الطفل عائدًا إلى كوخه هربًا من البرد
    والبلل، وقد أصابه الجوع والتعب، إذا به يتسمّر هلعًا ورعبًا في مكانه، ويرتعد
    من هول ما رأى: فالكوخ الذي يقطن به قد تهاوى برمّته، وتحول إلى كومة من طين،
    وكانت حجارته متفرّقة كشواهد القبور، وأخشابه متطايرة محطّمة.

    في تلك اللحظة المهولة، التي لا تأتي فيها المصائب إلّا مجتمعة، أُصيب الطفل
    بانهيار وذعر كبيرين، فراح يبكي ويصرخ، ويضرب قدميه في الأرض بشدّة. ولكن ما
    فائدة العويل والبكاء في عالمٍ أصمّ لا يسمع ولا يرى؟ وماذا سيجني لو قضى
    الليل كلّه يئنّ ويتألّم؟ فالناس في بيوتهم منطرحون حول المدافئ، ونوافذهم
    مقفلة. لم يلتفتوا إليه في وضح النهار، فكيف سيرونه في ظلمة الليل؟ أو ينصتون
    إلى نحيبه، ويرون دموعه وشجونه؟

    ★★★

    في تلك الوهلة الممتلئة بالحزن والحيرة، كان الطفل مربكًا لا يدرك ماذا يفعل
    في هذه الحلكة من الليل، وهو في خضمّ العاصفة الهوجاء. ولكن بكلّ براءة وهدوء
    حمل القطة اللصيقة به، فهي وحدها من شاركته حزنه وكآبته. تغلغلت في حضنه بعد
    أن أحسّت بما أصابه، فجلس تحت ظلّ شجرة عارية، وهو يتأمّل الأطلال والخراب،
    ليقول في نفسه:

    ربّي، ماذا فعلت لألقى كلّ هذا العذاب؟

    أهكذا يُكافَأ من يخسر أمّه وأباه؟

    لقد قبلت بكلّ ما كُتب لي في هذه الدنيا القذرة، وقلت: هذا قدري، وسرت مذلولًا
    أبحث عن طعامي بين المزابل وفي الزوايا المهملة، وأنا راضٍ قنوع.

    فالناس ينظرون إليّ باحتقار، ويوبّخونني ويسخرون منّي، وكثيرًا ما يضحكون،
    وأنا لا أجيبهم بحرف، قائلًا في سرّي إنّ لهم ربًّا يجازيهم.

    ولكن لماذا أنا من أدفع الأثمان الباهظة؟

    أأنا الذي يخطئ فأُحاسَب؟

    أأنا القاتل فأُقتل؟

    أأنا السارق فأُسجن وأُذلّ؟

    من أنا… حتّى تقوم الدنيا وتقعد ضدّي؟

    أهكذا تكون الحياة؟ يحيا بها ظالم ويموت مظلوم؟

    يتألّم طفل يتيم منبوذ، ويفرح أناس مسيئون؟

    أهكذا تكون العدالة، وهكذا يُعطى الحقّ لأصحابه؟

    ★★★

    انهالت الدموع الحارّة من عيني الطفل، وانسكبت في الجداول الباردة، فتألّمت
    الطبيعة لألمه، وبكت كثيرًا لأجله. فجرت المياه سيولًا جارفة، وأرعدت الغيوم
    تستصرخ الآذان والضمائر النائمة، إلى أن غفا الفتى الصغير في نومٍ عميق،
    حاضنًا قطته الهزيلة، متقوقعًا قرب جذع الشجرة العارية، باحثًا عن حياة أخرى،
    عن حياة لا تشبه هذه الحياة.

    ★★★

    في منتصف الليل البهيم، بدأت الثلوج تنهمر بغزارة، فغمرت البيوت والطرقات
    برداء أبيض بارد، تكفنه الظلمة بسوادها القاتم، وتنفخ فيه الرياح الهادرة،
    فيطير مرّة هنا ومرّة هناك، إلى أن بزغ فجر الصباح، فاختفت الأزقّة والسهول
    والمساكن تحت ثوب الثلج الكثيف، كأنّه كفن الموت لحياة خاوية فارغة.

    في تلك الهنيهة كان الفتى قطعةً مجمّدة، وجسدًا لا روح فيه، وكذلك قطته
    المرقّطة النائمة في حضنه.

    وكان نومهما… أبديًّا.

    إعجاب

اترك رداً على فلسفة رمزية إلغاء الرد