محمود عاطف الخرشه
استيقظ من نومه على صوت المنبّه، مدّ يده من تحت الغطاء بحثاً عن النقّال ليلجم صوته المفزع، تحسّس المكان حتى عثر عليه، كتم صوته الذي كان يتعالى شيئاً فشيئاً، أحسّ بلسعة برد قارصة، فلا عجب؛ فهو شهر يناير، أدخل يده بسرعة، كانت لحظات مزعجة على ذلك الجسد المتعب الذي تجاوز العقد الرابع، وهو لا يزال في مكانه في شركة التحميل والتنزيل في الميناء.
يلعن (أبو الحاجة): لو كنت يوماً قادراً على الاستغناء عن راتب شهر، لتركت وبحثت عن عمل آخر، فمن حولي من ترقّى وأصبح في مكتب مستقل، يتعامل بهدوء مع ملفات خرساء غير مزعجة كألسنة البعض، هناك مدفأة، هناك مساعدون وسكرتارية، هم ليسوا أفضل مني، أنا الوحيد بينهم جميعاً من يحمل شهادة جامعية، حتى المدير العام حصل على الشهادة الجامعية مجدداً بالمراسلة، لا أعرف بلد المنشأ لها، كثرت بلدان المنشأ.
أذكر أنّني عندما باركت له بالحصول عليها، سألته ممازحاً عن اسم جامعته، نظر إليّ نظرة لم أرتح لها، ربما منذ ذلك اليوم زاد حقده عليّ، لا.. لا، هو لم ينصفني من قبل، ربما لأنه يعلم أنّني جامعي، وهو كان يشغل منصب المدير على الثانوية العامة.
العِلّة بزوجتي، هي من دفعتني للخنوع والاستسلام، ثمانية أبناء في ست سنوات، سمعت نصيحة أمّها: “أكثري عليه من الأبناء لكي لا يبحث عن زوجة ثانية، فالرجال غدّارون، يجب أن يبقى فقيراً يا ابنتي لتعيشي في أمان”، سمعتها ذات يوم وهي توصيها.
هههههه… أتزوّج؟ ليتني أقدر على استبدال بنطالي الأصفر، كم تهكّم عليّ به زملائي، لا أملك بديلاً له منذ عشر سنوات، لماذا تزوجت؟! آه يا أمي، ما إن حصلت على هذا العمل المشؤوم بعد تخرّجي بعشر سنوات، حتى بدأت “تزّن” عليّ بالزواج، كانت تلحّ عليّ صباح مساء: “تزوّج، تزوّج، لقد أصبحت كبيراً، يجب أن تتزوّج لأرى أبناءك في الحارة يملأونها بأصواتهم، تزوّج قبل أن أموت”.
لم يرهقني العمل بقدر ساعات العمل الإضافي التي أقضيها في التحميل والتنزيل، والتي استنزفت طاقتي، ليت هذا المدير اللعين يعطيني حقي كاملاً لساعات العمل الإضافي، أنا الوحيد من يبخسني حقي، ما كان صمتي إلا بسبب الحاجة، فالراتب تناهشته أفواه، وعبثت به متطلبات ومطالبات.
وحدي أعمل طوال الشهر ليلاً نهاراً، أكدّ وأتعب، وما أن أمدّ يدي لاستلامه آخر الشهر، حتى أجد لي فيه شركاء كُثر، أيدٍ كثيرة تمتدّ إليّ، أفواه متعددة، عيون هنا وهناك تختلس النظر إليّ ذاك اليوم، ربما لمطالبة أو دين أو… أو… لا أعرف، أما كابوس الفواتير، ذلك الشبح، فيجثم على صدري فيكتم أنفاسي آخر كل شهر، دون أن تأخذه بي رحمة أو شفقة.
فجأة سمع صوت أحد الباعة المتجولين، فكأنه أيقظه وانتشله من أعماق بحر أفكاره المترامي الأطراف، هبّ واقفاً، أدرك أنه تأخر كثيراً، فالغالب أنه لن يلحق، لبس ثيابه على عجل، وانطلق يعدو تارة، وينظر خلفه تارة، كأنه يستنجد بمن يغيثه ويلحق به إلى عمله.
وصل أخيراً، ليجد مديره يقف وكأنه ينتظره، نظر إليه المدير نظرة ازدراء، ليتبعها بنظرة إلى ساعة يده، ثم يتلفّظ قائلاً: “هذا اليوم مخصوم عليك، لقد تأخرت كثيراً لأكثر من ساعة، ولن يكون لك أجر لهذا اليوم، وقد انتدبت من ينوب عنك في مكان عملك”.
لفّته عند سماع كلمات مديره غشاوة، إذ كاد أن يسقط أرضاً، أحسّ بدوار شديد في رأسه أفقده قليلاً من توازنه، فوقف متسمّراً مكانه لدقائق، ولما عاد إلى صوابه، نظر ليجد المدير وقد غادر.

ketabaarticles@gmail.com


أضف تعليق