محمد الصغير

الجميع نائم، لم يكن هناك ما يوحي بأنّ شيئاً سيحدث، كان الهدوء مخيماً على المكان، لا تكاد تسمع شيئاً، لا أدري أهُوَ الهدوء الذي يسبق العاصفة، كانت في كل فترة وأخرى تتساقط الحمم على رؤوسنا، فنلملم أشلائنا ونغادر المكان بلا وداع، هذه المرة السابعة أو العاشرة، وربما المئة، داخل غزة ندور مثل الرحى، لا يهدأ لنا قرار، فالاحتلال كلما أصابه الشك، مجرد شك، ولا تدري ما يجعله شكاكاً، نحن بالأساس مثل علبة سردين مقفلة، والمفتاح بيده، لا بارك الله في الاحتلال، هذا الشك، يجُر معه أطنان من القنابل الحارقة التي تُذيب الأجساد البريئة بلا ذنب، يفعلون ذلك كلما اشتهت أنفسهم اللحم الحي، لعن الله الاحتلال.

حتى الآن لم يُصب أحد من عائلتي الصغيرة، زوجي وأطفالي الثلاثة في أسرّتهم نائمون، لكنني أتذكر في احدى المرات، وما أكثرها خلال العشر سنوات الماضية، هرع جيران البناية المقابلة إلى بنايتنا، أصابتها شظية من الجهة الخلفية لشقتنا، الشظية قامت بتمزيق المبنى من الخلف، نتج عنها ستة شهداء وعدد جرحى ضِعف هذا العدد، عائلتين نُقلتا جميعاً إلى المستشفى، الشهداء والجرحى، الله يرحمهم، كانوا نِعم الجيران، أحزننا كثيراً ما أصابهم، لكن للأسف هذا يحدث بشكل دوري وكأنه مخطط له، تنزل القنابل والشظايا على رؤوس المدنيين والأبرياء لتبثّ في قلوبهم الرعب.

استيقظت بعد حين، كنتُ في المستشفى على السرير، لا أقوى على الحركة، كان كل قطعة في جسدي مغطاة بلفافة طبية، فقط عيناي وحدهما من استطعت تحريكهما، توسع بؤبؤ عيناي، صرت كالمجنونة التي فقدت عقلها، انهالت الأسئلة على رأسي كصخرة تنزلق من أعلى جبل، كدت أن أنفجر تلك اللحظة، فمي منتفخ، صار مثل بالون أحمر غامق، أين أنا؟، قُلتها بصوت خافت، قالت الممرضة بينما هي تنظر لي بعينين باردتين، في المستشفى، الحمد لله على سلامتك، وتابعت عملها، كانت تضع الأنابيب الموصولة في جسدي، أحسست نفسي كالمومياء المحنطة، يا الله، قلتها بحرقة، لا أريد أن أسمع خبراً سيئاً عن عائلتي، بلعت ريقي الناشف، كنت أحس بطعم الدم والمعقمات في فمي.

بعد برهة، ناديت مرة أخرى، لكنني كنتُ خائفة ومرعوبة، أين عائلتي… زوجي وأطفالي؟ لم تُجبني، وتابعت عملها، وكأنها تتجاهلني، لم ألُمها، هذه السيدة الرائعة، يمر عليها في اليوم عشرات، إن لم يكن مئات من الحالات المميتة، القصف لا يتوقف، والموت بضاعة رائجة في عالم بائس، لا يكاد يرى أو يسمع غير صوت الجلاد، وعندما تحاول أن ترفع رأسك، فإنّ الكلاب تهجم عليك لتنهش جسدك، أو ما بقي منه، هذه السيدة العظيمة، تقوم على تخفيف آلام المرضى، وأي ألم، لا يمكنك أن تتخيل ما أسرده عليك إلى إذا عشت يوماً في غزة، هذه المدينة الوادعة، التي عاشت آلاف السنين وهي تقاتل وحدها، مرّ عليها أطنان من الغزاة، جميعهم رحلوا وبقيت في النهاية، يطمع بها الغزاة لكنهم يتقهقرون على بوابتها، يصيرون لا شيء، هذا ما تصنعه غزة في الغزاة في نهاية المطاف.

رجوتها أن تُخبرني عن عائلتي، كانت الكلمات تخرج مثل قطرة ماء من صنبور فارغ، وكأنني لا أريد معرفة ما حصل، على أمل أن أكون مخطئة، إن حدث لهم شيء، فما جدوى بقائي أتنفس بعدهم، في السابق، استشهدت عائلتي الكبيرة، والداي وإخوتي في الحرب الماضية، ولم يمض على زواجي حينها سوى شهر واحد، وكأنها كانت هدية زواج، لأنني سأنشيء عائلة جديدة، وهذا لا يعجب الاحتلال، لأنه يريدنا أن نندثر أو نفنى، لكنه عاجز عن ابتكار وسيلة لهذا الفناء، الحياة في غزة لا تشبه أي حياة أخرى، نحن نرى الموت في اليوم ألف مرة، طائرات تُحلّق صباح ومساء، حتى ونحن نائمون، لا تتوقف، هذا الاحتلال يُبقي عينيه مفتوحتين طيلة الوقت، لأنه يعلم تاريخ هذه المدينة، يعلم بأنّه في اللحظة التي يغفو فيها، سيُمزقه الأسد الجريح، سيقطّعه إرباً.. يعلم ذلك جيداً، ولذلك لا تتوقف الطائرات اللعينة في التحليق في كل حارة وزقاق في المدينة.  

قالت، الله يرحمهم.. وصمتت، انتهى الأمر، خفضتُ رأسي وأغمضتُ جفنيي، لأستريح.

ketabaarticles@gmail.com 


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق