كاريمان الفقي

اليد الحانية تلمس نثرَ الكلمات،
تُجيد صُنع القصائد من الفوضى،
وتُرمِّمُ صدعَ المعاني،
تتفنن في سرد الحكايا
على صفحاتٍ مجعَّدة.
كلُّ ليلةٍ تستطيل نحو الأعلى،
تتضرع لأمنيةٍ أو حُلم،
تجتاز المسافة بين السماء والأرض
على ظهر عنقاء متمردة،
تعثر على قلبٍ جديد
أو نجمةٍ أنيسة،
تستأنس بها من شرور العالم.

اليد الحانية تفقأ بثور الخوف،
تلك التي نبتت بالأمس،
وخبأتها الأيام أسفل مسام
جلدٍ سامّ.
حول مائدة عشاءٍ عامرة،
والجمعُ متحلِّقون
بانتظار كبش الفداء
أو وجبة خذلانٍ دسمة
جوار مقبلات الفشل المريع.
من السقف يسقط الوهم صريعاً،
وتمتزج دماؤه بدماء الخوف،
وتلوِّث دماء الرجاء.
تحتدُّ أصوات الملاعق،
تفترس السكاكين ما تبقّى من بثور،
وتبتر الفوضى إصبعاً
تركته اليد سهواً على الطاولة
لتلحق بركب النجاة.

اليد الحانية تعتاد الشفاهَ تقبيلها،
تمتزج بتشققات المتعبين،
سبابِ الغاضبين،
أنفاسِ المعتلِّين،
تقديسِ المتعلِّقين بأرذل الآمال.
وأحياناً تُهرس أسفل هوس المعتوهين،
تتعلل بالرفض،
وتنقلب راقدةً، تُسلِّم زمام كفِّها للنبوءات،
كأنها تريد خلاصاً من جسد صاحبها،
والجسد يرمي نفسه على الوقت،
يراقب تشنجاته ورجفه تزامناً
مع دقات التكتكات.

اليد الحانية تتعرّف على صاحبها
من رائحة صابونه الخاص،
عطره الغارقة في تعاسته،
دموعه المهملة الرثّة كوحدته،
من أوساخ الطعام التي يلصقها بباطنها،
ومن دفء قلبه أو بروده،
التجعيدات التي تمرّ بالأمل،
الحزن المختبئ بين الثغرات،
والجسر الممتد بين اليد واليد
كحبلٍ رفيع بين السقوط والنهوض،
كحسرةٍ في بقعةٍ آمنة لا تُمحى.

اليد الحانية تُجيد الربت،
تُطفئ الشمعة بسبّابتها،
تتلو صلاة النار،
تلمس الأوتار بنعومة،
وتُخربش جدران الوهم،
تتردد بين الحقيقة والخيال،
تُشير للسيارات المارّة،
فلا تتوقف إلا واحدةٌ ترى سراباً
يمرّ كأثر ظلال،
تنزف جلداً متساقطاً،
وفي أوقاتٍ مألوفة دماءَ طريقٍ ضال.

اليد الحانية تعرف خُطى البيت،
تعي خطورة التيه،
تؤمن بأنّ مردّنا صعود السُّلَّم ولو كان مكسوراً.
في نهاية الأمر تتقبّل ألا تطرق على بيتٍ كان بيتها،
وجسدٍ كان لها متسمِّراً،
يقبع عليلاً على سرير الانتظار،
يترقب يداً بإصبعٍ ناقص
وأحلاماً خادعةً في قبضة كفّين…


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق