محمد أحمد طلب
أذكرُ أني أطلتُ العدّ يومها…
وكعادةِ أيّ منّا تطولُ إغماضته، لجأتُ إلى تحريضهم مراراً:
ــ ها.. فتّح؟
نطرتُ طويلاً منتظراً أن يعيدها أحدهم على مسامعي، فأتحررُ من وثاقي، لأبدأ رحلة البحث عنهم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.
ولما أعياني صمتهم المطبق، توقفتُ عن العد، وفكرت في خرق قواعد اللعبة، وكدتُ أن أفعل، لولا أن أتتني يومها غليظةً ممسوخة:
ـ أتّح!
استدرتُ خلفي بوجل، وإذا به وجهاً لوجه.
لوحةٌ مشوّهة، مرعبة، هي للخيال أقرب منها إلى الواقع.
سريعاً ــ كشريطٍ سينمائي ــ دهم مخيلتي كل ما كانت ترويه لي أمي حول ما يكتنف شخصيته من غموض، وعن دوره الشرير في اختطافه للأولاد الذين لا ينصاعون لتعاليم أهليهم.
هجست: أنا أيضاً خرجت من البيت خلسةً عن أمي، إذاً أنا…!
* * *
كان مصدر خوفي الدائم، والسلاح الوحيد الذي تمتلكه أمي كلما خرجت عن سيطرتها.
صحيحٌ أني أتحاشى الخروج ليلاً ــ موعد دوجانه ــ لكن هذا ما كان ليعفيني أو يمنحني الحصانة الكافية.
فإذا ما خطر لي التمرد على الأوامر لحظةً ما، أو إذا ما تقاعستُ عن متابعة مقرري الدراسي، يكفي أمي أن تقول:
ــ سأعطيك لـ دوخي الأهبل!
في البداية حاولت الاحتماء بوالدي، فتجرأت على القول:
ــ لكن أبي سيمنعك.
ارتبكت أمي، ثم تنهدت وهي تواري دمعةً متحجرةً بباطن كفّها:
ــ أبوك…! أبوك في السفر يا ولد.
لم أكن أعرف يومها لماذا ارتبكت أمي، ولمَ يسافر الرجال؟
بعد حين سألت أمي وهي تمسح الغبار عن صورةٍ لوالدي كانت مزيّنةً بشريطٍ أسود قبل وضعها على حائط بيتنا فقالت:
ــ يسافر الرجال لكي يجلبوا الهدايا لأولادهم يا بني.
تحت وطأة الإغراء والحلم بعالم الهدايا، قررتُ تناسي فكرة الاستعانة بوالدي مجدداً، من دون أن أنسى توخي الحذر والسقوط في براثن الدوخي.
كان دوخي رجلاً قد كثرت فيه الأقاويل والروايات، حتى غدا بالنسبة إلينا نحن الأطفال، شخصيةً غريبة الأطوار، ولغزاً محيراً يتلفع بالغموض وبالكثير من الأسرار التي لم نجرؤ يوماً على نبشها أو مجرد التفكير بها أصلاً.
قيل إنه يسكن المقابر، نبذه الناس، فنبذهم بدوره، ولم يعد يطيق معاشرتهم، أو حتى مجرد الاستماع إليهم.
أحد الذين التقوه صدفةً، روى عنه ادعاءً مفادُهُ: مشاطرته السهر مع الأموات والحديث معهم أغلب الليالي.
قال: إنه يسامر وحدتهم وهم يؤانسون غربته.
يومها حَكَمَ عليه البعض بالخبل ولم يستبعدوا أن يكون قد أصابه مسٌ أو لوثةٌ في عقله، بينما عقّبَ آخرون على أنه قد أصبح مصدر خطرٍ لا يؤتمن جانبه.
أنا بدوري لم أشأ التأكد من صحة توقعاتهم، لكن الشيء الوحيد الذي أستطيع تأكيده بعد تلك الحادثة، هو أن الدوخي قد أصبح وجبةً دسمة تلوكها الألسن، وتجترها أخيلة الناس بشيءٍ من الأسطرة كلما سنحت لهم الفرصة في ذلك.
قالوا: إنه يخشى الظهور نهاراً، رجلُ ليلٍ، دواسُ ظَلمةٍ، تارةً تغيبُ أخباره فترةً زمنيةً طويلة فينساه الخلق، وتارةً تحضر بشكل يومي.
ظاهرةٌ زئبقية، تتناقل النساء حوله الحكايات وكأنه واحدٌ من العفاريت.
حاضرٌ غائب، طوراً يقُلن إنه ارتضى ملازمة الأرواح الهائمة، وطوراً آخر يتفلن ثلاثاً في صدورهن ويدعين بأنّ له والعياذ بالله أتباعاً من الجن.
أمي زادت لي في ذلك، سرقته وشهيته المفرطة في التهامه للأولاد المشاكسين.
“سأعطيك لدوخي الأهبل”، لازمة ممجوجة ما إن تقولها أمي، حتى تجدني أتقوقع كحلزونٍ باغته خطرٌ مفاجىء، فانكفأَ على نفسه دون أي رد فعلٍ يُذكر.
ولأني أخافُ الموت كبقية الأطفال، أنفتح أمامها بالبكاء، عساها تتراجع، ولسان حالي يبتهل تصريحاً كيما تغفر زلتي:
ــ أرجوك يا أمي، أي شيء عدا الأهبل.. أي شيء.
لكن أمي التي تضع في الأذن طينة وبالأخرى عجينة ـ كما يقولون ــ كانت تأبى الاستجابة، وتزدادُ إصراراً وتصلّباً.
وكما في كل مرةٍ تُمعنُ في قسوتها، تراني أخاتلُ تصلّبها، مُعيداً الحساب، مُغيراً التكتيك، مُلتمساً استعطافها، مُتحايلاً، مُقبّلاً يدها بتذللٍ، كَمُتّهمٍ لم تثبت براءته بعد، حتى إذا ما اقتنعت، أعلنُ توبتي، وأعودُ من فوري ولداً مؤدباً، يطيعُ الأوامر، ويتعهد بتعويض كل ما فاته من ضعفٍ أو تقصير إزاء واجباته الدرسيّة.
هدنةٌ هشّة، سرعان ما كانت تنهار وينفرط عُراها، مع أول زلّة قدمٍ تعترضني، وغالباً ما كانت تعيدُ كلينا إلى المربع الأول.
مساكنةٌ بالإكراه لم تستطع أمي تحمّلها طويلاً، لقناعتها مع كثرة أخطائي في أوقاتٍ لاحقة، بأن توبةً عابرة ــ وليدة اللحظة ــ ما هي إلا توبةٌ محض منقوصة.
تشتكيني مُعلّمةُ المدرسة، فتهتزُ مصداقيتي وتفقدُ رصيدها، أستشعرُ خطورة الموقف، وأحاولُ التلطّي خلف عباءة الندم واختلاق التبريرات، فتثور حفيظة أمي، وتلجأُ لاسلوبٍ تصعيدي جديد أكثر صرامة.
تُمسكُ بشحمة أذني، وتقسم أغلظ الأيمان بأنها ما عادت تقبل بتوبةٍ من هنا، أو تعهدٍ من هناك بعد الآن.
ــ فهمتْ؟ تقول أمي.
ــ ……………….
أجرضُ ريقي بصعوبة، وأطأطىءُ برأسي خطفاً متلاحقاً كما لو أنني دميةٌ بلهاء ربط مفتاحها ولدٌ نزق.
تكتفي أمي بهذا ــ الحد ــ ثم تنشغل بأشيائها، وبالحد ذاته يغدو عالمي كابوساً ثقيلاً لا يني يطاردني بهوسٍ محموم.
حدود عالمي المحصور ما بين مطرقة أمي وصرامتها، وسندان الدوخي وكابوسه الثقيل تذكرني بوالدي، فألجأُ إلى صورته المسمّرة إلى الحائط، مطالباً إياه كي ينهر أمي ويحد من جبروتها، ومعاتباً سفره الذي شاخ بكلمات تلوم غيابه الطويل، والذي ما عاد مبرراً لطفلٍ هو أنا، تجاوزت عتبة السابعة من عمري دون أن أراك.
أستغربُ يا أبي، كيف لقلبك مطاوعة رؤية كل ما أعانيه ولا تنبس بكلمة، بحرف، بتقطيبةٍ توحي بهيبتك، أتراكَ استمرأت الغياب؟
معك حق، قبلك المعلمة اشتكتني للوالدة بصفتها وليّةٌ للأمر.
والمصيبةُ يا أبي، كل مصيبتي أنّ أمي لم تُصحّح خطأ المعلمة، بصراحةٍ يعني (انبسطت)، وبصراحةٍ أكثر، غيابك هو من جعلها تسترجل.
أبي، ما لك يا أبي؟! سكوتُكَ الآن يشي بأنك لم تصدق.. لا تقل:
ــ جُنّ الولد.
سأجن فعلاً لو لم تصدق، ثم إنها إذا ما أعطتني للدوخي في غيابك، فمن يمنعها؟.
صدقني أنا لم أعد بحاجةٍ لهداياك، طلبي الوحيد هو أن تعود، ولا شيء غير أن تعود.
* * *
بعد استرجال أمي وفقدان الأمل بعودة والدي، كثيراً ما كنت أتخيل الدوخي وحشاً مفترساً، يسد أمامي الدروب، له قدراتٌ خارقة، يقصدني ويقصد الأطفال أمثالي، له قرونٌ مُلتفّة تجعله أقرب ما يكون إلى الغول الخرافي الذي سمعت عنه في حكايا الجدات، يمر فيبتلع كل الأمكنة ويلتهم الأخضر واليابس، حاصداً الأرواح، وحاملاً معه جميع الأولاد وأحلامهم الصغيرة البريئة.
ذات عصرية، راودتني نفسي الأمارة بالسوء، سرقة لحظة جرأة، استغليت انشغال أمي بجاراتها، فتسللتُ من البيت ناهباً دروب القرية وأزقتها التُربية الضيقة، كنت أقصد خربة القرية القديمة ــ ملعب الأطفال ومرتعهم المفضل ــ وهناك استقبلني الأولاد بحفاوة، أرادوا تعويض شيئاً مما أعانيه من حصار.
صاح كبيرهم رامي:
ــ أنت تحب لعبة الاستغماية!
سكتُ، ثم أومأت برأسي إيجاباً، الملعون، أنا أعرف أنها لعبته المفضّلة أثناء أوقات الفراغ في باحة المدرسة، لكن لا بأس ما دام الجميع قد وافق على ذلك دون اعتراض.
قال رامي:
ــ وإكراماً لحضورك، سَنُوكلُ لكَ شرف الكشف عن أماكن اختبائنا ومتعة العثور علينا،
تمتمتُ بخفوت:
ــ ابن الــ … قال شرف قال.
المهم أني لطيتُ على الحائط، ثم أغمضتُ عيني وبدأت العد ريثما يتسنى لهم التخفّي،
وكعادة أيّ منّا تطول إغماضته، لجأت إلى تحريضهم مراراً:
ــ ها… فتّـح؟
نطرت طويلاً منتظراً أن يعيدها أحدهم على مسامعي، فأتحرر من وثاقي، لأبدأ رحلة البحث عنهم، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.
ولما أعياني صمتهم المطبق، توقفتُ عن العد، وفكرت في خرق قواعد اللعبة، وكدت أن أفعل، لولا أن أتتني يومها غليظةً ممسوخة:
ــ أتّـح!!
استدرت خلفي بوجل، وإذا به وجهاً لوجه.
لوحةٌ مُشوهة، مُرعبة، لشمسٍ تلفظ آخر أنفاسها ومكانٍ خاوٍ إلا من خربةٍ مهجورة، يرصدها ماردٌ جبار، يحتل المكان بلا منازع، رغم ساقه المبتورة من عند الركبة، وقد استعاض عنها بعكازٍ من الخشب مهترىء، ماردٌ يحرسه ظلٌ ممطوط على نحوٍ مخيف، كان يرتدي ثياباً رثة لها رائحةٌ زنخة، وتعلوها بقعٌ من الزيت والعرق والوحل، فبدت وكأنها مرقّطةٌ من يومها.
سريعاً ــ كشريطٍ سينمائي ــ دهم مخيلتي كل ما كانت ترويه لي أمي حول ما يكتنف شخصيته من غموض، وعن دوره الشرير في اختطافه للأولاد الذين لا ينصاعون لتعاليم أهليهم.
هجست: أنا أيضاً خرجت من البيت خلسة عن أمي.
صرختُ بلا شفاه، متسلحاً بكل ما يختزنه قلبي الصغير من رهبةٍ استعداداً للهرب.
ــ لا.. لا يا أمي، لن ادع الدوخي يأكلني.
ولا أعرف حينها كيف تنامى إحساسٌ لدي بأنه قد سمع ما لم أنطق به، فحدجني بنظراتٍ غريبة لم أستطع فيها مجاراته، ثم راح يهدهد بحباتٍ من خرزٍ ملون كانت تُطوّق عنقه، فينبعث منها صليلٌ له طابع الحماس، فيُطوّحُ برأسه منتشياً ويفتح فمه ويغلقه على نحوٍ غير مفهوم.
نكستُ نظري بفزعِ من لا يستطيع أن يدفع عن نفسه الأذى، فتصـدمني فـردة بنطالـه الخالية مـن اللحم حد الـركبـة، وهي تداعب الهواء قبالة رجله المكتملة، كراقصةٍ ماجنة فوق حلبة تعرّي.
وعندما بدأ زحفه نحوي رأيته يخرج شيئاً من عِبه لم أستطع تحقق ماهيته، حاولتُ الهرب فلم أتمكن، تقطعت أنفاسي، ثم سقطت.
ما أتذكره الآن بعد مضي كل هذه السنوات، هو أني لم أصحُ يومها إلا في البيت وقد تسوّر حولي الرفاق وبعض الجيران، تحسســت جســدي، أطـرافي، ولشـــد ما كانــت دهشـتي، عنـدما عثرت على قطعٍ من الحلوى موضوعة في جيبي، أغلب الظن بأنها كانت آخر عهدي بالدوخي وجعبته.
ابتسمتُ، فتبسّمتْ أمي.. دون أن تعرف السر في ذلك.



أضف تعليق