هشام الباقر – العراق
أنا بابٌ خشبيٌّ مهترئ، مخلوع داخل منزلٍ مهجور في مدينةٍ تضجّ بالمحالّ التجارية والبنايات الشاهقة.
كنتُ شجرةً في غابةٍ صغيرة لم ترغب الطيور في وضع أعشاشها عليّ؛ لأنني هشّ، وأوراقي وسيقاني ضعيفةٌ جداً.
ذات يوم نظر إليّ رجلٌ عجوز، واقترب مني، ثم أخرج فأسه وبدأ يقطعني حتى سقطت، وحملني نحو ورشته، وحوّلني إلى بابٍ لمكتبته الخاصة. لم يضع عليّ أيَّ دهان، واكتفى بلوني الأصلي.
كانت الكتابة عالمه الصغير؛ يغرق بين الكتب والقهوة فيها، وبين تأملاته التي تستمر لساعات.
ذات يوم جلس أمامي بغرابةٍ شديدة، ونظر إليّ وهو يبتسم، وعيناه ذابلتان بشدة، وأخبرني:
حسناً يا صديقي العزيز، يا باب عالمي الصغير هذا، يبدو إننا سنفترق في هذه الليلة.
لا مزيد من رائحة القهوة في هذا المكان، ولن تستمع لصوتي وأنا أقرأ هذه الكتب في منتصف الليل، ولا لتلك الموسيقى التي كنا نستمع إليها كل يوم.
حيث سافرنا بالموسيقى إلى كل مكان!
فموسيقى شتراوس الابن سافرت بنا إلى النمسا، وسرنا في طريق الدانوب، وموسيقى شوبرت والسيرنادا كانت وسيلتنا لنستجمع إنسانيتنا، وموسيقى بيتهوفن التاسعة كانت الحرية بالنسبة لنا.
أما السادسة لتشايكوفسكي فهي المؤثرة، اسمٌ على مسمى.
حسناً يا صديقي، لن تشاهد بكائي عندما كنت ألوذ بهذا المكان لأواسي نفسي على هذا الحطام الذي أعيش فيه، وداعاً.
ذهب نحو غرفته…
في تلك الليلة فارق الرجل الحياة، فبكيت بحرقة.
مرَّ عامٌ ولم يقترب أحد من هذه المكتبة!
وبعد ذلك نشب شجارٌ بين أبنائه في صالة المنزل بسبب مسألةٍ تتعلق بالميراث. ضرب الأخ الأصغر أخاه الكبير، وتشبث بي حتى خُلِع أحد أطرافي.
غادر الجميع وانشغلوا في عالمهم الخاص.
لا زلت هنا في منتصف هذا المكان المهجور، أنتظر في أي لحظة أن يُهدم هذا المنزل ويتحول إلى بنايةٍ تجارية، وأتحوّل أنا ربما إلى صندوق طماطم فاسدة.



أضف تعليق