أين تذهب العصافير مساءً؟

نورهان نشأت فكري

يقولون إنه أول طفل منتحر بقريتنا، بل وربما بالقرى المجاورة أيضاً، وحين يتناقلون هذا الخبر يبتسمون عادةً فخراً بسبق لم يبذلوا مجهوداً في إحرازه، يقول أحدهم في تقرير أعدته قناة ألمانية؛ إنّ الصغير قد سأله ذلك اليوم عن مصير من يذهب لمكان دون دعوة مسبقة ودون موعد محدد، ولقد أجابه المدعو برد قاطع أنّ من يفعل لن يجد من يرغب في لقائه، فمن يطرق باباً في غير أوان الزيارة، لن يُقابل بالترحيب، لكن الصغير كان أكثر إصراراً؛ فسأله معلناً أنّ رغبته مُلحة: مهما كان طريقي لله سهلاً وميسراً سألقى نفس المصير! مهما كنت جيداً ولطيفاً سأهلك إذا قررت الذهاب إليه؟

فأجابه الرجل برد يبرئ ذمته: إياك… فستمحو قلة ذوقك في اختيار ميعادك هذا كل حسناتك.

دعوني أخبركم عن إيماني…الحقيقة! والحقيقة أنّ محمد لم يكن يوماً من قليلي الذوق، بل كان من أكثر الأطفال تهذيباً الذين رأيتهم في حياتي، هو فقط اهتم بالعصافير ووجهتها أكثر من اللازم، كان مدفوعاً بالفضول والألم، فهو عرف ومن عرف ليس كمن لم يعرف، وظل هذا السؤال يطنُّ برأسه الصغير “أين تذهب العصافير مساءً؟” تحديداً بعدما علم من أمه عن صلة قرابتهم حديثة العهد بالعصافير، لا؛ بل بعد ذلك بقليل حين أخذ يختبر قدراته السحرية وأمسك بتلك العصا التي ظل يبحث عنها لساعتين بين الحطام، ليفككها أخيراً من قفص خبز خشبي منهار أسفل إحدى المباني، فصّه واقتلع  جزءاً منه يكفي ليكون عصاه السحرية، ومدّ يده بالعصا اتجاه العصفور الصغير الجريح المُلقى على الأرض وقرأ تعويذة أمه عليه وهو مغمض العينين كما جرت عادتها أثناء ممارستها لسحرها، ثوانٍ وفتحها مبتسماً وثوانٍ واختفت تلك الابتسامة، بل كان قد زمَّ شفتيه للأمام وصوته قد تحشرج وهو يتلوها للمرة الثانية، أما الثالثة كان يبكي بعدما تبدد أمله، فبدا له أنّ الأمر ليس سهلاً كما اعتقد وحينها أخذ جلسته بجانب العصفور وهو يخبئ وجهه بين كفي يده؛ وعقله يتساءل “لمَ لا تفعل العصا فعلتها معه؟” فأمه تفعل أفاعيلها بأي عصا، في ثوان تخفي ملابسهم المدرسية وثوان تعيدها بعصا المكنسة الخشبية، وبثوان تأتي لأبيهم بفرد من جواربه المفقودة بعصا “المنفضة”، وتحضر بعصا مكسورة من كرسي الشرفة هدايا أعياد ميلادهم بعد إدعاءها بنسيانه وهي تقرأ تعويذتها، حتى حين حوّلت أخاه لعصفور، فعلت ذلك بسيخ حديدي ظهر للتو بين حطام دارهم وسط عدة أسياخ، إذاً الأمر ليس له علاقة بالعصا فأي عصا تملكها كافية أن تجعل منك ساحراً، الأمر كله بالتعويذة إذاً!

 سمع محمد زقزقة أخيه فاحتضنه بين كفيه، شعر أنه يرغب في إخباره بأمر ما، وحينها كف عن البكاء بل ظهرت ابتسامته حين لمح دموعه وهي ترتطم برأس أخيه وتبلل ريش رأسه الصغير، أخيه الأكبر قابع بين كفيه الآن؛ ودمعة واحدة كافية أن تبلله، مسح سيلان أنفه بكُم بيجامته وأخذ يستجوبه، إن كان يتذكر التعويذة التي قرأتها أمه عليه قبل تحوّله، فآخر ما كان يتذكره محمد هي أصوات تلك الانفجارات بالخارج وصوت عراك أمه وأبيه المعتاد بالداخل، كان يسرق النظر لنقاشهم الحاد من خلف شق الباب قبل أن تهب أمه عليه وتحمله بقبضة ذراعها وتدخل غرفتهم حاملة إياه وكأنه برطمان جبن معتق، تمسك بمعصم يد أخيه الذي كان مستلقياً على سريره، وتجره متجهة نحو باب الشقة، وحين فتحته ظهر والده فجأة مجدداً وضرب الباب بيده فانغلق ودفع أمه على الأرض، سقطت وسقط محمد عليها، وحينها بدأت تبكي وهي تتوسل والده أن يرحلوا سوياً أو على الأقل يدعهم يرحلوا، تعانق حذاءه وتقبله، بينما هو يحاول الافلات من قبضتها ليتجه نحو الشرفة، نزاعهم معتاداً للصغار لكنها المرة الأولى التي رغبت أمهم فيها أن يصطحبها والدهم للخارج!  تلك المرة الأولى التي ترغب أن يهرب معها زوجها! الذي بعدما تممم إجادته إغلاق باب الشقة بالمفتاح ووضعه بجيبه إتجه داخل الشرفة التي حين فتح بابها تضاعفت أصوات الانفجارت وتخللت الأدخنة أكثر لردهة المنزل، كانت من ضمن تلك الأصوات المخيفة ذلك الصوت الطنان المزعج، كأنه قادم من السماء ولا يتوقف، كان يتخيله محمد صوت احتضار ذبابة زنانة ضخمة شريرة، في ثانية خرج والده وأغلق الباب على الفور حاملاً حبل الغسيل الأصفر بيده، ربط معاصم يدهم ببعضهم سوياً، كما كان يفعل وهم على شاطيء البحر بالصيف قبل الدخول والارتطام بأول موجه، كان أخوه عمر يتأفف كل مرة متحججاً بأنّ الحبل يجرح يده، لكن والده لم يكن يسمع له أبداً مكتفياً بجملته المبهمة “إنّ البحر غدار، في ثانية سيأكلك”.

كان ينزعج عمر فيرد وهو يجُزّ على أسنانه: وهذا الحبل الذي يربطون به الكلاب سيمنعه من أكلي!

لترد أمه نيابة عن أبيه الذي لا يُبدي أي نية للنقاش: لا.. لكنه سيمنعه أن يأكلك وحدك.. إن أكلك سيأكلنا معك.

كان محمد أثناء حوارهم هذا يتخيل البحر الشاسع كائناً حياً شريراً له أسنان حادة، ومعدة ضخمة تسع أفراد أسرته؛ لكن فكرة أنّ أباه وأمه وأخاه سيكونون معه داخلها كانت تطمئنه، ولكنهم الآن ليسوا بالبحر، ممّ يخشى والده أن يبتلعهم! وماذا طمأن أمه أيضاً فور ما لمحت الحبل وجعلها مستسلمة تماماً بل كفت عن البكاء! نظر لها محمد بعين متسائلة ودموعها لم تكن جفت بعد، ومن دون أن يفتح فمه أجابته:

– هذا سيضمن إذا تحوّل أحدنا لعصفورٍ أن يتحول الباقون أيضاً.

أصوات الانفجارات لم تتوقف؛ والأدخنة قد أجبرت دموع محمد وأخيه على السيلان؛ بل ودموع والدهم أيضاً، لكنها كانت دموعاً مختلفة عن دموعهم، بطيئة جداً في تجمعها ونزولها، تسقط بحياء، تلك المرة الأولى التي يلمحون فيها ضعف هذا الرجل بل يعرفون بوجوده، سألها محمد منتحباً وهو يتلعثم كعادته أثناء بكائه:

– ماذا، هل ستقرأين علينا تعويذة يا أمي؟ ستحوّلينا لعصافير بيضاء؟

وكأنها انفجرت بالبكاء مع الانفجارات الخارجية، لم تلحق أن تجاوبه، انفجر كل شيء حينها، لا يتذكر سوى التراب الذي كان يضرب رؤوسهم وهو يحمل بين أحضانه لُعبته “السوبر مان” التي التقطها قبل أن تحمله أمه وهي تجر أخاه خلفه من ياقة بيجامته، لم يكن يرى سوى ذلك، ربما لأنه كان يستخدم ثلث عينيه فقط بعدما غطت الأدخنة والأتربة على الثلثين المتبقيين، فلم يرَ كيف أنحل أبوهم عنهم واختفى! لا يعرف أين! فكانت الأتربة تُغطّيهم أثناء ما كانت أمهم تقفز بهم فوق بقايا ما تبقى من سلم عمارتهم؛ حينها انفلتت لعبته من بين أصابعه وحين كان يدفع رأسه القابعة على كتف أمه نحوها، كان آخر شيء سمعه من عمر قبل تحوّله لعصفور، وهو يترك الحبل يفلت من بين قبضة يده، الحبل الذي بدا أنه حلّه عن معصمه منذ دقائق وكان يدّعي ربطه بإخفائه إياه بقبضة يده:

– لا تقلق… سأعيدها.

دائماً ما كان عمر يصلح أشياءً لم يفسدها، أين عمر؟ محمد وأمه فقط وبضعة جيران وسط الأدخنة والنيران المشتعلة على الجانبين، كانوا يحملون أطفالهم بين أحضانهم، حتى اجتمعوا داخل أسوار المدرسة، حينها لمح محمد هناك بضعة زملاء له في المدرسة؛ وبضعة زملاء أكثر لعمر! ولكن أين عمر؟ كان المفترض أن يكون هنا الآن بينهم، يهمل محمد كعادته وينجذب لأحاديث زملاءه بالمدرسة عن الواجب وعن المدرسين والأهم مشاركة أحدث نتائجهم بمباريات الفيديو، سأل محمد أمه وحينها لمح الطرف الآخر من الحبل، خاوياً من أي يد ومتدلياً على الأرض:

-حوّلته لعصفور.

تعجب محمد مما يُبكي أمه فتلك مهارتها التي كلما فعلتها تكون مبتسمة!

– لِمَ تبكي إذاً؟

لأول مرة تضع أمه رأسها بين صدره وتحاول كتمان بكائها فيه، فدائماً ما كان يحدث العكس حينما كان يتلقى إحدى إبر التطعيمات:

– لقد نسيت تعويذة العودة!

كان يرغب وهو يمسح على رأسها بكفه الصغير الناعم أن يخبرها أنها ستفعل وتتذكر، لم يلحق محمد أن يخبرها بشيء، لا يعلم ماذا حدث، ومتى نام تلك النومة! كان هناك حِمل ثقيل فوقه حين استيقظ، الشمس كانت تضرب رأسه وتكاد تشعلها وكأنّ أسوار الفصول بل والمدرسة كلها اختفت لفوق ظهره! لقد كان الليل عم حين كانت تبكي أمه هنا والآن الشمس تضرب جسده حين فاق!

ظل ينادي على أمه حتى أصبح يصرخ عليها، وسط أصوات انفجارات لم تنطفئ، وأدخنة لم يستطع رؤية مصدرها، فقد كان هناك ثقل على رقبته يحيله عن رفعها أو تحريكها حتى بأي اتجاه، حتى ظهر ذلك العجوز، لم يلمح محمد سوى يده المكرمشة النحيلة، الشرايين تنتفض منها وكأنها مفزوعة هي الأخرى مما يحدث، كان يزيح ببطأ تام هذا الحطام من عليه حتى ظهر جسد الصبي، لم يستطع رغم ذلك النهوض فيده بدت موثوقة بشيء أسفل الركام حاول العجوز سحبها لكنه لم يستطع فمسك بسن حجارة حمراء وأخذ يحكها بالحبل وهو يتهدج حتى انقطع، جري العجوز بعيداً حتى اختفى وكأنّ شيئاً ما كان يلاحقه، بينما حاول محمد لدقائق النهوض وهو يلتفت برأسه باحثاً عنها، فكل ما كان يدور بخلده هي أمه التي تأكد أنها قرأت التعويذة على نفسها حين لم يجدها، لم ينجح في صلب طوله بقدمه المكسورة ويده المجروحة إلا بعد ساعات حينما سمع أصوات العصافير بالأعلى، وقف على ساق واحدة مسنداً الأخرى بيده ونظر للسماء التي تغطيها سحب الدخان الرمادي وبكى، فلقد كانت تخفي السماء بين ظلمتها عنه أهله، أبيه وأمه وعمر بالأعلى الآن، حين استوعب تلك الحقيقة اشتد بكاؤه، لقد ذهبوا وتركوه وحده، لِمَ لم تحوّله أمه معهم كما فعلت مع أخيه! كان يقول لنفسه أنه أي نعم مشاكس وشقي؛ كما كانت تنعته أمه لكنه دائماً قادراً أن يكون ولداً مهذباً.

ظل يسير باتجاه الرجل الذي هرع  للتو، لكنه لم يجده، فلم يكن يوجد هنا شيء يُدلي أنه كان هناك بشر! أين تذهب العصافير مساءً؟ صوت تلك الزنانة يخفي صوت زقزقتهم والسحابات السوداء تخفيهم، بينما كان يتسائل عن أماكنهم الآن؛ كان قد وجد أخاه، مجروح جناحه الأيمن؛ ساقطاً على الأرض بجانب غصن شجرة نائمة مثبت عليها عُش مُدمَّر، وقدمه الصغيرة مربوطة بخيط أبيض مقطوع، قبّله كثيراً واحتضنه باكياً وظل يعتذر له عن أفاعيل؛ لم يكن يعلم أنه لا يتوجب عليه ارتكابها إلا حين اختفى أخوه، عدّد مرات كذبه عليه وإفساد أدواته المدرسية وألعابه، وتذمره حين كان يسأل المدرسين عن مستواه الدراسي، وكأنّ أربعة سنوات بينهما كافية أن تجعل منه ولي أمره! أسرار عدة ومصائب اعترف بها، حتى بدأ يسأله عن أمه وأبيه، وكأنه حينها فقط استوعب أنّ هذا الطائر لم يعد أخاه وعليه إعادته لصيغته البشرية ليجيبه، بحث عن عصا وسط الحطام حتى عثر على واحدة وكسرها من قفص الخبز، ولم تفعل التعاويذ التي تلاها واحدة تلو الأخرى شيئاً، تعاويذ حفظها من أمه وأخرى ألّفها للتو حتى فقد أمله في سحره ونظر للسماء وقرأ تعويذته عليها:

يا الله، رب السماء، أمنيتي فيك تنجلي

حوّل الطير بلمسة في لمح البصرِ

من جناحين إلى قدمين يخطو بخطوٍ

ليصبح إنساناً، ويترك الفضاء للقدرِ

 فجأة، ربما حل السحر لكن بخلاف ما رغب! أو ربما كانت تلك أثر تعويذة خاطئة تلاها منذ قليل، فحين أنزل محمد عينيه بعد دعائه هذا، وجد أخاه يطير، كان محمد يُهرول قدر ما يستطيع بقدمه العرجاء خلفه محاولاً إعادة الإمساك به بل ليلحق به فيعرف مكان أمه وأبيه، كان عمر أسرع منه؛ بينما محمد يستحلفه بأن يُبطئ بعض الشيء، لكنه غاب عن نظره، ظل محمد يبكي ويتوسل له، حتى سقط محمد منهكاً فجأة على الأرض وهو ينظر للسماء وكأنها أتته بالدليل! فلقد ربطهم أبوهم بحبل أصفر، وهذا العصفور كان حول قدمه خيط أبيض! إذن ليس هو، أخذ يضحك حينها وهو يعلم كل العلم أنه لازال وحيداً، لكن على الأقل لم يتركه عمر وحده بعد كل تلك التوسّلات، وتلك الفرحة وكأنها مُحيت فجأة حين تذكر أنه سيُزال “وحده”، كان يسير بالشوارع باحثاً عن أحد من أهل مدينته، يسأله إن كان يجيد السحر ليعيد له أهله، لكن ربما أهل مدينته تحولوا أيضاً لعصافير، لا أحد! لا أحد هنا على الإطلاق سوى أصوات الصفارات ورائحة الأدخنة وبعض النيران التي لم تنطفئ منذ الأمس.

لم يجد محمد أمل بقدراته السحرية أن تعيد له من فقدهم؛ لذا قرر أن يذهب هو إليهم، صعد لسطح المبنى الوحيد الذي لم يُدمر بذلك الشارع الذي وجد نفسه فيه، ووقف على سوره، مد الصغير ذراعيه وأخذ يرفرهما، ذهب محمد لأهله كما رغب، بينما لم يترك هذا العجوز الكاذب -الذي سبق وأخرجه من تحت أنقاض ركام المدرسة- قناة تلفزيونية لم يخبرها بشأن الصغير ذو الثماني سنوات الذي انتحر منذ بداية الحرب، لكنه لم يفعل، محمد لم يفعل، أقسم بذلك، أنّ محمد زين الدين لم ينتحر، بل لقد كان يحاول الطيران، بعدما خذلته جميع التعاويذ، كان يحاول اختبار سحره، وبينما لا يتوقف هؤلاء الأغبياء من أهل مدينته عن السؤال حول حكم الترحم عليه من عدمه باعتباره من زاهقي أرواحهم، فعقلي لا يتوقف عن السؤال أبداً “أين تذهب العصافير مساءً؟”.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق