سماءٌ بلا أيادي بشرية

كريمان الفقي – مصر

كانت السماءُ زرقاء
والأرضُ بكماء
والأكُفُّ تمتدُّ من الباطن
تعرج نحو السماء
يا الله
كانت السماءُ زرقاء
وغيومُها رقطاء
والأيادي القاسية بلا جذور
ترتجي حبوراً
تبتهل قدراً آخر
في دنيا أخرى وأرضٍ نائية
والأناملُ تشدُّ أزرَ بعضها
تقضم صغارَها
وترفل للسماء

كانت السماءُ زرقاء
والتيهُ قريب
وجسدي ضجَّ بجنائزَ إلهية
تخرج النعوشُ البالية
بمساميرَ مخلخلة
وبلا أكتافٍ محمَّلة
تخرج بلا عزاءاتٍ مودَّعة
ولا سلوى مدَّعى
كانت السماءُ زرقاء
والأرضُ ترعى الزهر بعد ذهاب الأحبة

كانت السماءُ زرقاء
وقلبي يُصدِّق النجاة
يؤمن بالحياة
ويرعى أطواق النجاة
بزادٍ من حنان
وبضعِ نثراتٍ من عطاء
كانت السماءُ زرقاء، وقلبي يرعى الفقد كالجنين

كانت الأرضُ عمياء
ورأسي يتأهّب كوعاء
بانتظار المطر كالأبله يقف
لا يعرف ملجأً، ولم يعرف طريق البيت بعد
البيت الذي غدر وخلع عنه أبوابه
على أطراف عتباته وقف وانتظر ومضة برق
قطرة غيث
وانتظر طويلاً مشيئة طريقٍ ذا حجارةٍ وعشب
أما الحجارة فحصى التقطه من فوق السحاب
والعشب وردُ الثرى على هيئة حيٍّ مبعوث
كانت السماءُ زرقاء
وكنتُ أرى أبواباً تتبع أصحابها
نحو المثوى الأخير قبلتها
وصراطها تمنيتُ لو كان مستقيماً
كانت السماءُ زرقاء
وطرقاتُ البيوت لا تتوقف
مرَّ الشهاب فلا أماني اليوم
ناموا فلا مزيد من الأحلام
والحلم جوار القلب في جسدٍ واحد
على فراشٍ واحد
ولا أحد ينجو من الليل

كانت الأرضُ بكماء
تنشد أغاني القفر
في صحراء الخوف
أي ما بعد النجاة
في موضع القلب حيث عرف طريق المحبة
حيث تخلى عن الغصة
واستحكمت الألفة
حين كنا في أسفل الوادي
نكتب شعراً
نرسم نهراً
نعبره بلا زبد الموج
ولا طوفان الغرق
هناك حيث لا أرض بكماء
ولا نجم أفول
أقول:
حررني أجد نجمتي في السماء
تُخبرني أنّ الليل لم يحن
والأرض لم تزل عمياء
حتى السماء كانت زرقاء
ولمستُها على الكف النحيلة
ودمعتها على الشّعر الرحيم

كانت السماءُ زرقاء
وكانت الكلماتُ على خديها سوداء
كشاماتٍ لم تختر وجوهاً
كحسناواتٍ يبتهلن سعياً للخلاص
أو متشحاتٍ بالسواد يفنين قرباناً للبركة
كانت السماءُ زرقاء
وكنتُ طفلاً يقضم أظافر الخوف
ألضُم الصور بالكلمات
لم أغرق في القاع
لم يلتهمني تراب المرسى
وكنتُ أربط خيط المودة بين الذهاب والإياب
لو قالوا لي: اخلع عنك جلد الرحمة
لوجدتُ عيوناً نافقة
تبحث عن جسدٍ يلائم نظرتها للحياة

كانت السماءُ زرقاء
وعيناي ملاذاً لصورٍ سابقة
والحاضرة محاصرة بالأسئلة
بين أمس كم بكيتُ فيه
وسردتُ بين الألف والياء
ألف قصيدةٍ شعواء
وحاضر يعزف لحنه الآني
في ليله رجوت النصوص أن تكون مخصوصة للمعجزات
أن تكون حلاً للألغاز
ولكن الغد مجهول النسب
يعرف أنّ قلبي مسوّراً بالمحبة
وأنّ النجاة مقامٌ عالٍ
على بابها كنتُ طارق ليل
فاعذرني أيها الطريق إن اخترت الرحيل

كانت السماءُ زرقاء
وكان قدر الأرض العمياء
أن ترافق أخِلاء يتدفق من بين أيديهم
بقايا الأرض القديمة
وعلى جبينهم يندُّ عرق المدينة الحزينة
كانت السماءُ زرقاء
والأرض بلا جذور
تسكنها الوحدة
يرسم الفراغ على جسدها ثقوباً
كل ثقب يتسع لنيام
ساروا يتتبعون خطو فقدهم
رؤوساً على يمين الأشهاد
أيادي أسفل منهم
وعقولاً دهستها الثيران
أو أغرقتها سفن النجاة قبل الرسو

كانت السماءُ زرقاء
والنسوة عند المرسى
يتفقدن أمن نفق
يلملمن روحاً من ذكريات ما قد سبق
ولو تاهت الأعضاء في قارعة الطرقات
يجمعون كل شلو كإلهٍ جديد
وكانت الأرض جناحاً أيمناً
يطوّق زرقة السماء
وسواد النسوة
وعودة الصباح

كانت السماءُ زرقاء
وكنتُ أنتظر خلف الباب
المقبض لم يُفتح
والانتظار يقبض على يد الصبر
وعلى حافة الموت شلالات الانتظار
تربت على كتف الكلمات
حين تحصدها السماء
فتصير كالأرض البكماء…


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق