ميس صهيب حمدان

أجلس على عتبة الحاضر،
أُراقب ما يحدث حولي.

أحدهم ترك لي أعين الموتى، ومات بعد ذلك.
لا أُجيد نقل الخبر.

إن أخبرتُ أُمي، أخاف أن أصبح أنا الخبر،
وهي تُرسل إلى السماء دعوة بأن لا أبقى هنا.

هل سألت نفسها قبل أن تدعو: هل باب السماء مفتوح؟
هل كانت تلك آخر رسائلها إلى السماء في تلك الليلة؟

لمن أنقل الخبر الآن؟
لا أحد حولي، سوى أشلاء جثث متناثرة، ورسائل أُمي إلى السماء.

أجلس وأُراقب فقط،
أنتظر أن أُرسل إلى السماء،
أو ترميني العتبة بين الأشلاء.

سأكون اليقظ الوحيد بينهم،
وتمتد روحي إلى نجمة…
نجمة، نجمتين؛ لنعدّ الجثث جيداً.

تسقط النجمة.

لو أنّ أُمي كانت تُرسل دعاءها إلى السماء،
وهي متضرعة فوق سجادة صلاة،
لتناثرت النجوم من حولي.

أُمي تُعدّ الموت معها، وهي تُحضّر الطعام،
تضعه في وعاء مرة،
ومرة أخرى في كأس.

كنتُ في كل مرة أكسر وعاءً وكأساً،
وكان غضب أُمي وقتها على شاكلة رسائل إلى السماء.

باب السماء مُغلق.

هل أجلس وأنتظر ذلك الباب ليفتح،
وأُرسل مع الموت رسائل أُمي إلى السماء؟

أُمي تُرتّب الموت مع ملابسنا النظيفة،
تُجيد ترتيبه، ولا أحد يراه،
يكون بين قميصي وقميص أخي.

أُنفض تلك الملابس،
فتغضب أُمي ثانية.

أين ذلك الموت يا أُمي، بين الجثث من حولي؟
أين دعاؤكِ إلى الله؟

أُمي تُعدّ الموت وهي تُحضّر رغيف خبز،
تضعه مع الطحين والماء.

أنا لستُ جائعاً،
ومن بجواري يأكل الرغيف، ويُصبح جثة بعد دقائق معدودة.

يُباغتك الموت، حتى وإن كنت تعرفه،
يتسلل،
يعبُر النوافذ،
يعبُرك…

كأنها المرة الأولى،
المرة الأولى التي تسمع فيها صَدَح الطيور في الخارج.

تهرول من منزلٍ إلى آخر،
متى تصل إلى منزلنا، وتنتهي الحرب؟

نمكث في رقعة ضيقة،
ومنزلنا الوحيد الأشعث الأغبر.

بالطبع لن أرى جثة جارنا التي لا تزال مفقودة بجواري،
إنها غابرة.

نحن الغابرون،
وهو الحي الوحيد في هذا المكان الذي يضج بالموت،
يحمل مسكاً يعبق بالباقي من ملامح المنازل المشوهة.

وإلى أن يُشوَّه منزلنا،
نجلس في أماكن عشوائية،
لكنها في النهاية تحمل شكلاً دائرياً،
كالساعة المعلقة على الحائط.

لم يلاحظ عقاربها أحد،
منذ أخذت الحرب تقويم أيامنا.

نراقب الوقت، ويراقبنا من خلال أجنحة الطيور،
إنها تُعاقب الليل مع النهار،
فيصبحان مشهداً واحداً.

تبرق السماء بضوء أحمر دافئ وقت الليل،
وذلك يُشبه دفء أشعة الشمس إلى حدٍ ما.

ثم يأتي الليل مسرعاً، بخفة طائر.

تسقط الساعة،
عقاربها تُغرس في الأرض،
الدائرة التي كنّا عليها تفرّقت!

وجاري الوحيد الذي تشبث بالأرض،
ونحن، بين حين وآخر،
نكون طيوراً متفرقة دون سرب.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق