تامر محمد محمد موسى 

أمام مرآة صغيرة سوّدت السنوات أطرافها، وقف رجل في نهايات العقد الرابع من عمره ليصفف شعره الذي بدأ الشيب يغزوه بوضوح.
تطلع إلى ملامحه التي عكستها المرآة، ثم زفر قائلاً في مزيج من الضيق والاستسلام:

– يوم جديد مرهق.

عدّل من هندامه البسيط قبل أن يخرج نحو الردهة الصغيرة متوجهاً إلى باب المنزل، فوجد أمه تضع طعام الفطور على الطاولة الصغيرة بنشاطها المعهود الذي لم تغيّره سنوات عمرها التي ناهزت السبعين عاماً، بينما كانت شاشة التلفاز الصغيرة خلفها تعرض مشهداً للدمار والخراب الذي أحدثته إحدى الحروب، والتي تزخر بها نشرات الأخبار الدولية يومياً.

بادرته أمه قائلة في دهشة:

– إلى أين يا (سعيد)؟ ألن تتناول طعام فطورك؟

أجابها بصوت فشل في إظهاره طبيعياً، يخفي ما تجيش به نفسه من ضيق:

– لا يا أمي، أنا مضطر للخروج في الحال، سأتناول طعاماً سريعاً في الطريق كي لا أتأخر عن العمل.

وغادر مسرعاً كي لا يمنحها فرصة لجدال لا يشعر أنه يملك ذرة من طاقة لتحمّله، كما أنه لا يريد أن يثقل كاهلها بهمومه، على الرغم من أنها تحملت جزءاً كبيراً منها بالفعل.

بعد أن خاض معركته اليومية في المواصلات العامة بزحامها المعهود، وصل مرهقاً إلى المستشفى الحكومي الذي انتقل للعمل به طبيباً عاماً منذ ثلاثة أشهر.

داخل المستشفى، كان المشهد يتكرر أمام ناظريه كل يوم: كتيبة كاملة من المرضى وذويهم الذين افترشوا ساحة الانتظار التي ضاقت بهم، فاحتلت جماعة منهم حديقة المستشفى الوحيدة التي طالما بدت له جرداء رمادية اللون.

الملامح البائسة والأجساد الهزيلة كانت القاسم المشترك بين هؤلاء المرضى، بل كان يخيل إليه في كثير من الأحيان أنهم نسخ مكررة لرجل واحد وامرأة واحدة، لكن بثياب مختلفة، وأسماء متنوعة، وأمراض لا حصر لها.

لمح أثناء عبوره ممر العيادات الطويل زميلته الطبيبة (هدى) التي كانت تقطع طريقها بخطوات سريعة جادة كعادتها، فحيّاها بابتسامة متحفظة، وكان ردها إيماءة لا تكاد تُرى من رأسها دون أن تتوقف عن سيرها المسرع.

حدّث نفسه قائلاً:

– يبدو أنّ الأمور لن تتحسن بيننا أبداً يا (هدى)، ولا أستطيع أن ألومك على ذلك.

لم تكن (هدى) بالنسبة له مجرد زميلة كالباقيات، بل كانت المشروع الوحيد الذي حاول من خلاله (سعيد) منذ سنوات أن يكسر جدران عزلته السرمدية التي فرضتها عليه ظروف دراسته وضوائقه المالية المتكررة.

لكن المشروع كان محكوماً عليه بالفشل منذ بدايته، فالطبيب المحترم لم يكن يملك ما يوفر نفقات زواج أو خطبة، فمات الحلم في مهده، ورفضت (هدى) الزواج منه، لتنضم إلى سابقاتها من أهدافه التي فقد الأمل في تحقيقها.

في غرفة الكشف ذات الجدران البيضاء الباردة، جلس (سعيد) مستسلماً في مقعده خلف المكتب المعدني، منتظراً بدء المباراة اليومية.

بدأت الممرضة في إدخال المرضى إلى غرفة الكشف واحداً تلو الآخر، ومع كل مريض يدخل إليه، كان (سعيد) يشعر بأنّ الوقت يمر بطيئاً ثقيلاً، تزيده شكوى المرضى وآلامهم بطئاً وثقلاً.

بعد أن غادر أحد المرضى، قال (سعيد) مخاطباً الممرضة التي جاوزت الخمسين من عمرها، وعيناه تتطلعان عبر النافذة إلى حديقة المشفى:

– أتعرفين يا مدام (فايزة)، إنني أندم يومياً على دراستي للطب لكثرة ما أواجهه من شكاوى المرضى وأوجاعهم المستعصية التي لا أجد لمعظمها حلاً، فتذكرني بحالي ومشكلاتي التي لا تنحل هي الأخرى.

أجابته باقتضاب:

– ستعتاد ذلك يا دكتور (سعيد)، إنك ما زلت في بداية الطريق.

زفر قائلاً بمزيج من السخرية والضجر:

– نعم… طريق الآمال المفقودة. أي بداية هذه يا مدام (فايزة)؟ لقد قاربت الأربعين من عمري… إنني أشعر كمن جهل وجهته وهو في منتصف طريق لا يعرف له نهاية، ومن المستحيل أن يعود إلى بدايته.

لم ترغب الممرضة في أن تسمع مزيداً من شكواه اليومية التي ملّتها، فهي الأخرى لديها ما يكفي من الهموم والمشكلات، فقالت وهي تفتح باب الغرفة لتقطع سيل شكواه:

– هناك مريض أخير يا دكتور.

وهتفت:

– (حسام محمود).

مرّت نصف دقيقة كاملة قبل أن يدخل شيخ مسن عبر الباب مستنداً إلى عكاز خشبي متآكل، وبيده شاب في منتصف العقد الثالث من عمره، فاستدار (سعيد) ليتأملهما، مولياً الحديقة الرمادية ظهره.

شعر (سعيد) أنّ في هذا الشيخ شيئاً مختلفاً؛ فعلى الرغم من نحوله الشديد وخطواته الواهنة، كانت نظراته وملامح وجهه المتغضن تحمل هدوءاً غريباً لم يعهده من قبل.

ألقى (سعيد) نظرة سريعة على الملف الطبي العائلي الذي كان يحمل اسم الرجل المسن، والذي كان يزخر بالتقارير الطبية والوصفات الدوائية، ثم قال:

– تفضل بالجلوس يا عمّاه، ما شكواك؟

قال (محمود) بعد أن جلس ببطء:

– إنّ ابني هذا يشكو من بعض الآلام في بطنه منذ ثلاثة أيام يا ولدي، وهو مسجل معي في الملف المرضي ذاته، فأرجو أن تقوم بالكشف عليه.

قالها بهدوء وبساطة أدهشت (سعيد)، فقد كان يتوقع أن يكون الشيخ هو صاحب الشكوى، لا ذلك الشاب الفتي الذي ظن أنه مجرد مرافق له، لكنه لم يجد بُداً من الكشف عليه على أية حال.

بدأ (سعيد) بطريقة روتينية في الكشف على الشاب ذي الملامح الهادئة، وهو يطرح عليه عدداً من الأسئلة لمعرفة سبب شكواه، لكن الإجابات التي سمعها جعلت الاهتمام يتسلل إلى ملامح وصوت (سعيد)، إذ إنّ الأعراض التي يشكو منها تشير إلى أمر غير مطمئن؛ فقدان ملحوظ للنشاط والوزن، بالإضافة إلى تحاليل طبية كانت بحوزته توحي نتائجها بوجود مرض عضال.

لم يكن (سعيد) يدري ما يجب عليه فعله؛ هل يخبرهما بهذه الشكوك القوية التي لديه، أم يحيلهما إلى متخصص آخر يرفع عنه حرج هذا الموقف.

لكنه اتخذ قراره بأن يلمّح لهما بالأمر، فقال:

– أريدك أن تُجري بعض الفحوصات الإضافية يا (حسام)، لا تقلقا، قالها ناظراً إلى الشيخ وابنه، إنه أمر بسيط بإذن الله، ولكن لا مفر من إجراء فحوصات إضافية.

كادت الدهشة تذهب بصوابه عندما سمع الشيخ المسن يقول في بساطة وامتنان:

– إنك طيب القلب يا ولدي، وأشكرك حقاً لذلك.

لم يفهم (سعيد) ما قصده الرجل، فقال في دهشة:

– لا أفهمك يا حاج (محمود).

تبسّم الرجل مخاطباً ولده في لهجة بدت عجيبة في نظر (سعيد)، وقال:

– انتظرني بالخارج يا (حسام)… سأتحدث مع الدكتور قليلاً.

وبنفس الهدوء المثير للدهشة، خرج الشاب دون تعقيب ولا تساؤل.

قال الشيخ مخاطباً (سعيد):

– لا تؤاخذني يا ولدي، لقد أخرجته حتى أتحدث معك دون قيود. إنني أتوقع بشدة أن يُصاب ولدي بالمرض ذاته الذي أودى بحياة شقيقه رحمه الله منذ سنوات.

وصمت لحظة لمعت فيها عيناه بدموع لم يسمح لها بتجاوز مقلتيه، ثم قال:

– ولكن لا حيلة لنا في ذلك، إنه أمر الله، ولا حيلة لنا فيه.

شعر (سعيد) برغبة ملحّة في استكمال الحوار مع ذلك الرجل، على غير عادته، فقال:

– إذن فأنت تعرف الشكوك التي تساورني يا حاج (محمود)؟

أومأ الرجل برأسه موافقاً وقال:

– كنت أتمنى أن ينجو (حسام) مما أصاب شقيقه يا دكتور. فقد أخبرني أحد الأطباء سابقاً أنّ ذلك المرض يصيب صغار السن، كما حدث مع ولدي رحمه الله، ولكن (حسام) ظهرت عليه أعراض المرض في سن غير متوقعة، بعد أن ظننت أنّ الخطر قد زال عنه.

وتنهد قائلاً:

– إنه قدره.

ارتبك (سعيد) للحظات لم يتمكن خلالها من التحدث، فالأمر قاسٍ حقاً؛ ففقدان الرجل اثنين من أبنائه أمام عينيه أمر لا يتحمله أكثر الناس قوة.

قال (سعيد) بصوت منخفض:

– فهمت، تقبّل أسفي يا عماه.

قال الرجل بالبساطة ذاتها التي بدأ بها حديثه:

– لا تقل هذا يا ولدي، إنها إرادة الله ومشيئته، وسأقبلها كما هي.

لم يدرِ (سعيد) ما سبب الرغبة الجارفة في الحديث مع ذلك الرجل المسن التي انتابته؛ فكم رأى من مرضى وسمع شكاواهم، لكن ذلك الرجل كان مختلفاً عنهم بكل تأكيد.

قال (سعيد) وهو يحاول أن يبث شيئاً من الأمل في نفس الرجل:

– سأقوم بإحالة ملف (حسام) المرضي إلى أحد الأطباء المتخصصين في مرضه يا حاج (محمود)، إنه حق له، وعسى الله أن يأتي بالشفاء.

لا تفعل يا ولدي، دع هذا الحق لمن سيفيد منه أكثر من ولدي.

قال (سعيد) بدهشة:

– ماذا تعني يا حاج (محمود)؟

– أعني أنني قد جربت كل السبل والوسائل مع ولدي الراحل، ولم ينل سوى الإجهاد والألم، الألم الجسدي والنفسي وأنا معه. لا تؤاخذني بسبب صراحتي يا ولدي، فأنا لا ألقي باللوم عليك ولا على من عالجوا ابني سابقاً، ولكن الأمر أكبر من قدراتنا جميعاً، وأريد أن تمضي الأمور بهدوء حتى نهايتها.

– ولكن المحاولة واجبة يا حاج (محمود).

– وقد حاولت سابقاً يا ولدي دون جدوى، فلا داعي لتكرار المحاولة إذن.

كان حوارهما غريباً في نظر (فايزة)، التي لم تعهد من (سعيد) هدوءاً كهذا ولا صبراً على محاورة المرضى.

قال (سعيد):

– إنني أحييك على ثباتك ورضاك بما قُدِّر لك ولولدك يا عماه، إنني أعرف أشخاصاً لا يطيقون تحمل معشار ما مررتَ به ولا ما تتحمل من هموم.

كان يتحدث عن نفسه وحياته؛ فلأول مرة يجد ما يشعر به كأنه جبل على كاهليه يبدو في منتهى الضآلة بالمقارنة مع تلك المأساة التي يحياها ذلك الشيخ المسن.

ثم أضاف متسائلاً:

– وماذا تنوي أن تفعل مع (حسام) يا عماه؟

عاد (محمود) إلى بساطته السابقة وهو يقول:

– لا أعرف على وجه الدقة يا ولدي، ولكنني لن أفعل ما قد يسبب ألماً له.

وجد (سعيد) نفسه يندفع متحمساً -على غير عادته خلال السنوات الأخيرة- لإقناع الرجل بأهمية العلاج وجدواه، وتقدّم العلم عما كان عليه وقت علاج ابنه الراحل.

لم يدرِ (سعيد) لماذا شعر بأنّ نظرات الرجل العميقة توشك أن تخترقه دون أن ينبس ببنت شفة، فقال له:

– أرغب في معرفة رأيك يا حاج (محمود)، أأقوم بتحويل ملف ابنك إلى الطبيب المتخصص في حالته؟

قال (محمود) ببساطة:

– لا.

بدا التعجب والدهشة -مع شيء من خيبة الأمل- على وجه (سعيد)، فمالَ (محمود) نحوه وهو يقول:

– إنّ لكل منا نصيباً في هذه الحياة يا ولدي، وقد علمت نصيبي ونصيب أبنائي منها. إنني لست ساخطاً ولا رافضاً لما كُتب لي في أقداري، سأتقبّله لأنه سيحدث على كل حال. وإن كانت هذه الحياة الطويلة التي عشتها بطولها وعرضها قد أعطتني درساً واحداً قد أفيد منه، فهو أنها أقصر من أن ينفق الإنسان ساعاتها في القلق والهموم. فنصيبه منها ينتظره ولن يشاركه فيه أحد، فلا داعي للبحث الدؤوب عنه، وحتى يصل إليه هذا النصيب فليُسعد نفسه بكل لحظة فيها يحياها دون ألم ولا مرض.

لوهلة بدا (سعيد) وكأنه لم يفهم ما يعنيه الرجل رغم وضوح معناه، ثم ما لبث أن أطرق ببصره قائلاً:

– صدقت يا عماه.

نهض الرجل بمعونة الممرضة ليغادر الحجرة بخُطى وئيدة إلى ابنه الذي كان ينتظره بالخارج بعد أن شكر (سعيد)، تاركاً إياه غارقاً في أفكاره، وهو يتطلع إلى الحديقة الرمادية الجرداء ذاتها التي استدار نحوها مرة أخرى، يتأمل أشجارها وأزهارها التي شعر وكأنه يراها للمرة الأولى منذ بدأ العمل في هذا المشفى.

لم يشعر (سعيد) كم من الوقت مرّ عليه، حتى دخلت (فايزة) الغرفة فوجدته ما زال على حاله متطلعاً عبر النافذة إلى الحديقة، فقالت:

– لا يوجد مرضى آخرون بالخارج يا دكتور (سعيد)، وقد حان موعد الانصراف، ألن تغادر؟

انتزعه صوتها من أفكاره، فقال بتفاؤل أدهشها:

– ألا تبدو أشجار الحديقة زاهية قليلاً اليوم يا مدام (فايزة)؟


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق