عبدالرحمن سيد يوسف

يتشابه قلبي مع أحجية فقدت كثيراً من أجزائها، فلم تعد كما كانت، وباءت كل محاولات إكمالها بالفشل. لم تكن تقلبات الحياة قادرة على ملء ذلك الفراغ في قلبي. عيناي الغائرتان لم تعودا قادرتين على بذل المزيد من الحزن؛ تخبران بالكثير، كأسهمٍ من الألم تصيب القلب، وتنهش إنسانيتك لتبقى حياً.

حزنٌ حوّلني إلى كهلٍ في جسد شاب. أركض نحو هدف بعيد، تنقطع أنفاسي دون أن أصل. تحيط بي ظلمات اليأس من كل اتجاه، لكنني ما زلت أؤمن بأنّ المستحيل يحتاج إلى معجزة، وأثق أنني سأصنعها.

فقدت كل شيء، وعدت كطفلٍ رضيع لا يملك شيئاً، لكن الفرق بيني وبينه أنّ قلبه سليم، بينما لا يزال في قلبي ثقب.

كم تمنيت أن أحطم القيود التي تحيط بي من الخارج ومن أعماقي، أن يبتلع روحي طائرٌ يحلّق بها خلف كل الأسوار، لكنني أتساءل: إن لم يرحموني أنا، فهل سيرحمون الطائر؟

ما الثمن الذي يجب أن أدفعه ليشفى جسدي؟ وإن دفعته، فهل أستطيع دفع ثمن شفاء قلبي؟ ليت عدوي كان شيطاناً؛ لكانت عيناي تشتعلان أملاً في هزيمته، لكن عدوي أحقر بكثير.

سأقطع جذوري هرباً من الجحيم، لكنني سأتركها هناك، فلي الحق في العودة… وسأعود. كم هو مؤلم الفراق، كسكين يمزق القلب، لكن ما يسكنه هو أملي بأن يكون مؤقتاً، وأن تعود أرضي جنة كما كانت.

عليّ أن أستجمع ما تبقى فيّ من شجاعة، وأحشدها كجيشٍ مرغم على القتال. كل ما مررت به من مآسٍ كان يغلي بداخلي، منتظراً لحظة الانفجار.

لم يكن أمامي بدٌّ من المحاولة مهما كانت تكلفتها، حتى لو كانت الأخيرة. كنت مستعداً… حتى أنني تركت لأمي كلماتي الأخيرة، لعلها تكون وداعاً.

يجب أن تتحوّل أصابعي التي اعتادت القلم إلى مخالب تنهش الصخر لتعيل عائلتي. لم يعد مسموحاً لي أن أبقى طفلاً. ألقى الجميع بأحمالهم على ظهري، حملٌ ثقيل كالجبال، وأخشى أن ينحني ظهري إلى الأبد.

تبخرت أحلامي، ولم يبقَ إلا طريق واحد أسير فيه. كم هي قاسية هذه الحياة، ومرارة ظلمها لا تُحتمل، وكأنها اختارتني لأحمل نصيباً أكبر.

طريق طويل، شمسه تعلن علينا العداء، تحرق جلودنا، لكن حرارتها لا تقارن بحرقة الظلم في داخلي.

أجبرتني الظروف على دخول سجنٍ صنعته بنفسي… يا لسخرية الأمر.

لم أدرك نعمة الهواء حتى حُجبت عني. كم هو جميل أن تتنفس! لكن حين يُمنع عنك، تصبح كمن يُعدم في كل لحظة.

ورغم ذلك… نجوت.
تمكنت من الوصول إلى هدفي، فوهبتني الحياة فرحة كسرت أغلالي، وسدّت ثقب قلبي – ولو مؤقتاً.

ما أروع أن تمنحك الحياة انتصاراً بعد كل تلك الهزائم.
هذه هي الحياة…
وما رأيته ليس إلا لمحة منها.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق