شيرين فكري عثمان*
“لا تقرأوا لتحفظوا، بل اقرأوا لتفهموا، ولا تفهموا لتكرروا، بل افهموا لتبدعوا، ولا تبدعوا لأنفسكم، بل أبدعوا لوطنكم وأمتكم وإنسانيتكم”.
في عالمٍ يزداد عتمة، تبقى القراءة نوراً لا يخبو.
إلى جيل زد (Gen Z) في اليوم العالمي للكتاب، في يومٍ يحتفي بالكلمة.
هل فكرت يوماً عزيزي القارئ – وأقصدك أنتَ، يا من لا تجد في الكتب متعة ولا في القراءة رفيقاً – أن تجعل الكتاب صديقك اليومي؟ أن تصحبه معك أينما ذهبت؟ أن تسأله عمّا يؤرقك فيجيبك بصمت عميق لا يملّ ولا يُجادل؟ أن تسافر بين صفحاته دون أن تبرح مكانك، فتعرف وجوهاً وثقافات وأزماناً اندثرت على مرّ العصور؟
هل جرّبت يوماً – يا من أصبحت مهووساً بصفحات الفيس بوك ولايفات التيك توك وصور الإنستجرام – أن تمسك كتاباً بدافع الفضول فقط؟ ثم تفتحه على عجل، لتجد نفسك فيه دون قصد، كأنه يراك ويفهمك، فيغيّر شيئاً بداخلك دون أن تدري، فتغوص في صفحاته حتى تنتهي منه، لا… لأنك أردت ذاك، بل لأنك وجدت نفسك أسير كلماته.
هل فكّرت يوماً – وأنت تُشاهد فيلماً كوميدياً أو درامياً أو حتى حين تتابع مسلسلاً اجتماعياً أو تاريخياً، أو مسرحية لأبطالٍ تحبهم، سواء كانوا عرباً أم أجانب – أن تبحث عن صاحب الفكرة الأصلية؟ أن تفتش عمّن صنع تلك الأحداث التي أسرتك بتفاصيلها حتى النهاية؟ أن تقرأ الرواية التي انطلق منها العمل قبل أن يتحوّل إلى شاشة وصوت وحركة؟
أعلم عزيزي القارئ، أنتَ الذي وصلت إليك كلماتي صدفة الآن، أنك ربما شاهدت مسلسل “مائة عام من العزلة” للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز على منصة نتفليكس، ولا شك أنك انبهرت بالتصوير والإخراج، وبالأحداث التي أخذتك إلى عالم من الخيال والمغامرة والإثارة.
ولكن… توقف قليلاً.
لأنك إن لم تقرأ الرواية، ستندم على ضياع متعة فاتتك، متعة لا يمنحها لك أي عملٍ بصري. فمن خلال صفحاتها المفعمة بالحكايات المدهشة حيث يمتزج السحر بالواقع، ستسافر إلى مدينة “ماكوندو” التي ابتكرها ماركيز لتكون نسخة متخيلة من مسقط رأسه “آركاتاكا” في شمال كولومبيا، وجعل منها صورة رمزية لكولومبيا كلها، بل ولأمريكا اللاتينية بأسرها، وأنت تتابع من خلالها سيرة عائلة بوينديا عبر أجيالٍ تمتد لمئة عام… فقد استطاع ماركيز أن يحول مدينة “ماكوندو” إلى أسطورة أدبية حيّة لا تُنسى.
وغيرهما الكثير والكثير من الأعمال العالمية المترجمة التي شاهدتها عزيزي القارئ، كفيلم “ذهب مع الريح” لمارغريت ميتشل، والتي رغم روعتها على الشاشة، تبقى القراءة للنص الأدبي لها تجربة مختلفة تماماً، أعمق أثراً وأغنى خيالاً.
وأنتَ يا من تعشق مشاهدة أفلام الأبيض والأسود… هل فكرت يوماً أن تقرأ الرواية قبل أن تشاهد العمل السينمائي؟ خذ مثلاً رواية “دعاء الكروان” لطه حسين، التي ما زالت تسلب عقول وأفئدة جمهور الفن السابع، مُحتلّة مكانةً متقدّمة ضمن قائمة أفضل ما قدّمته السينما المصرية على مدار تاريخها.
لو قرأت الرواية، لاكتشفت أنّ النهاية لم تكن واحدة، فبينما تنتهي الرواية بزواج آمنة من المهندس، يصوّر الفيلم ختامها كحب متبادل لم يكتمل. لقد أبدع طه حسين في مزج تغريد الكروان الشجيّ بصرخات القهر والظلم والغدر والانتهاك، لتخرج بطلة الرواية في رحلةٍ قاسية من الألم والثأر والانتقام.
وكذلك، لا شك أنّ كثيرين شاهدوا فيلم “قنديل أم هاشم”، ولكن القليل فقط قرأوا الرواية الأصلية، التي تُعد من أروع ما كتبه الأديب الكبير يحيى حقي.
فالرواية تتناول بعمق أكبر صراع الحداثة مع العادات والتقاليد، متوغلة في دوافع إسماعيل وتفكيره الفلسفي، على عكس الفيلم الذي ركّز على الصراع المباشر بين دكتور العيون إسماعيل وأهالي الحي المتمسكين بزيت القنديل التقليدي.
في الفيلم تنتهي الأحداث بحل وسط، حيث يقرر إسماعيل استخدام الطريقتين العلمية والشعبية (الزيت) معاً لعلاج أمراض العيون. أما الرواية فالنهاية أكثر تعقيداً، إذ تترك القارئ أمام تساؤل مفتوح حول ما إذا كان إسماعيل قد نجح حقاً في تحقيق التوازن بين العلم والتقاليد.
وهكذا… تبقى هناك عشرات الروايات الخالدة التي تستحق أن تنتزعنا من عالم الواقع المزيف – من تلك المنصات الإلكترونية، التي أحب أن أسمّيها منصات الجهل الإلكتروني – إلى رحاب عالم أوسع مليء بالعلم والمعرفة والثقافة بلا حدود.
إليك بعض الأدباء وأشهر أعمالهم التي ربما رأيت أسماءهم تمر على شاشة الأفلام، لكنها تستحق أن تُقرأ بعيداً عن ضجيج الأصوات وزغللة الشاشات:
نجيب محفوظ: القاهرة 30 – ملحمة الحرافيش – بداية ونهاية.
إحسان عبد القدوس: في بيتنا رجل – الرصاصة لا تزال في جيبي – الخيط الرفيع.
توفيق الحكيم: الرباط المقدس – يوميات نائب في الأرياف – الأيدي الناعمة.
يوسف إدريس: الحرام – النداهة – حادثة شرف.
يوسف السباعي: بين الأطلال – أرض النفاق – ونحن لا نزرع الشوك.
أعرف أنّ كثيرين منكم – يا شباب الواقع الافتراضي – ما زالوا يعشقون مشاهدة أفلام إسماعيل ياسين، بحثاً عن صفاء ذهني وضحكات لا تنقطع مع مواقفه الطريفة إلى جانب الشاويش حسن أو الفنان رياض القصبجي. لكن، هل فتّشتم يوماً بين أوراق الكتب وصفحات الجرائد أو حتى عبر مواقع الإنترنت، لتقرأوا عن أبو السعود الإبياري، الكاتب ورفيق النجاح في معظم أفلام إسماعيل ياسين؟ فقد لعب الإبياري دوراً محورياً في تقديم الفنان إسماعيل ياسين إلى السينما، حيث كوّن معه ثنائياً فنياً شهيراً، وساهم في تأسيس فرقته المسرحية. وعلى الرغم من رفض المنتجين لإسماعيل ياسين في البداية، فإنّ الإبياري آمن بموهبته وقدّمه في أعماله، فكانت النتيجة شهرةً ونجاحاً كبيرين رسّخا اسم إسماعيل ياسين في ذاكرة الكوميديا المصرية.
عزيزي الشاب وعزيزتي الشابة، يا من تعشقون السفر والترحال، ويا براعم الزهور التي تتفتح أرواحكم وعقولهم نحو باب الحياة…
حين قمت برحلة سياحية إلى منطقة النوبة، هل فكرت أن تبحث عن تاريخ تلك الأرض الطيبة؟ أن تقرأ عمّا عاشه أهلها من تهجير، وكيف غمرت مياه الفيضان العالي إرثهم وحضارتهم قبل بناء السد العالي؟ أو مثلاً حين زرت المتحف المصري الكبير الذي افتُتح قبل عدة أشهر، هل كان لديك الشغف لتقترب أكثر من تلك الحضارة الفرعونية المبهرة، التي ما زالت تسحر العالم بأسره بغموضها وأسرارها؟
فالسفر لا يكتمل إلا بالمعرفة، والزيارة لا تكتسب معناها إلا حين ترتبط بالقراءة والفهم، فهما معاً ما يصنعان الانتماء الحقيقي للوطن ويجسدان الهوية المصرية العريقة. كل هذا وأكثر ستكتشفه حين تبحر بين طيّات الكتب وصفحاتها، تلك الأبواب المفتوحة على عوالم لا تنتهي.
ولا تقل أيها المحب للمعلومة السريعة التي تتبخر مع طرفة عين – أنك ستنال ما تريد من وسائل الاتصال الحديثة – لا… فالمتعة الحقيقية تكمن في الكتاب. الكتاب كنز مخبوء الأدراج، لا يعرف قيمته إلا مَنْ أراد معرفة خبايا هذا الكون وأسراره، مَنْ أراد الإبحار في عوالم أخرى غير التي يعيشها، مَنْ أراد التوغل في ثنايا عقول الآخرين ليرى كيف يفكرون وكيف يحلمون، وكيف يحيون.
الكتاب رفيق جميل وصادق معك، ورغم أنه لا يسمع أنين صمتك، يترك بصمته بداخلك. القراءة هي النجاة الوحيدة من ظلام العالم، لأنها تفتح الأبواب حين تُغلق الحياة نوافذها. وكما كانت تقول الكاتبة رضوى عاشور لطلابها دائماً:
“لا تقرأوا لتحفظوا، بل اقرأوا لتفهموا، ولا تفهموا لتكرروا، بل افهموا لتبدعوا، ولا تبدعوا لأنفسكم، بل أبدعوا لوطنكم وأمتكم وإنسانيتكم”.
*كاتبة ومُعِدّة برامج في إذاعة البرنامج الثقافي بالإذاعة المصرية… مصر
لقد سبق وقد تم نشر قصتي “لغة الخيول” في مجموعة قصصية باسم “خيالات الظل” في معرض القاهرة لدولي للكتاب 2019، والتي كانت ضمن القصص الفائزة في المسابقة الإبداعية لدار المعرفة للنشر والتوزيع على مستوى الوطن العربي لعام 2018، وكانت التجربة الأولى لي في عالم النشر والمسابقات.
صدر لي ثلاث أعمال: المجموعة القصصية “لحظة سكون” (2020)، وروايتا “أحلام صهيل الخيول“ (2021)، و“شظايا القدر” (2022) نُشرت لي عدة مقالات في موقع “مترو”، وموقع “ملامحنا”، ومجلة “أيامنا الثقافية”.



أضف تعليق