صعوبة أن تستمر كمُبالٍ في الحياة

رنا ناصر

دائماً ما أرى أنّ الندم الحقيقي مرتبطٌ بما لم نفعله، لا بما فعلناه: بالمكان الذي لم نذهب إليه خوفاً من ازدحام المرور، والمطعم الذي لم نجربه لأنّ ما يقدمه ليس مما اعتدنا عليه، والعمل الذي لا يشبهنا ولم نتركه لأننا نخشى الغد، والرأي الذي لم نُعلن عنه تجنّباً لما قد يسببه من مشكلات، والعلاقة التي لم نتورّط فيها بكل كياننا خوفاً من الفشل ــ وهو من أكبر مخاوفي على الإطلاق.

أحب الحب، وهذا لا يكفي، التجربة مهمة، لكني أخشاها كثيراً، وعلى الرغم من إيماني الشديد بالمواقف والتجارب، فإنّ الأمر دائماً ما ينتهي إلى شيءٍ غير مفهوم يجعلني ألعن التجربة واليوم الذي قررتُ فيه أن أكون مبالية بالحياة.

“معنى أن يحيا المرء هو أن يقاوم”.

هذه الجملة اقتبسها أنطونيو غرامشي في كتابه أكره اللامبالين من الكاتب المسرحي الألماني فريدريش هيبل، تعبيراً عن غضبه من أولئك الذين لا يفعلون شيئاً، ولا يشاركون في مظاهر الحياة في مجتمعاتهم التي ينتمون إليها، ويشير غرامشي ببساطة إلى أنّ كثيراً من المشكلات التي قد نمرّ بها ليست دائماً سببها أنّ الإنسان قد فعل شيئاً، بل في كثير من الأحيان تكون المشكلة، والأزمة الحقيقية، أنه لم يفعل: لم يشارك، لم يتخذ موقفاً، ولم يتكلم.

لا يستطيع الجميع اتخاذ مواقف سياسية حقيقية ــ وأنا منهم ــ فأنا لا أحب السياسة، ولا أعرف الكثير عنها إلا بالقدر الذي يجعلني أفهم ما نمرّ به في مجتمعنا وحياتنا اليومية، لكن ما أحبه وأعرفه حقاً هو الرغبة في أن يعيش الجميع بكرامة وسلام، هذه الرغبة هي ما دفعتني للنزول في مظاهرة لفلسطين عقب أحداث 7 أكتوبر، وهي أيضاً ما جعلتني في الجامعة أكتب مقالاً في مجلة الكلية عن حادثة التسمم التي تعرضنا لها أنا وزميلات أخريات بسبب طعام المدينة الجامعية، مما جعل الكلية ورؤساء المدينة يقفون على ساقٍ واحدة ــ كما نقول بالدارجة المصرية ــ من القلق الذي أحدثه الأمر عندما عُرف، وهذه الرغبة كذلك هي ما جعلتني أكتب عن زميلي مؤسس مجلة الكلية عندما تم فصله من الجامعة بسبب مقالاته الحادة ضد كل شيء التي كان ينشرها في المجلة، فعلتُ ذلك دون خوفٍ من عواقب الأمر، أو بخوف، لكن دون أن يمنعني خوفي في تلك اللحظة.

“كم هو رائع أن نكون حقيقيين، ليس لمرة واحدة فقط، وإنما في كل مرة، أن نربح أنفسنا ولو خسرنا العالم، أن نتحرر من الشر، ومن أورام الضمير، وأن نخلع قذاراتنا الداخلية.. أن نستحم في نهر وعينا الخاص في نهاية كل يوم”

لكن مؤخراً بدأتُ أكره محاولاتي أن أعيش وأحيا، لذا صرتُ منذ فترة ليست قصيرة لا أسعى نحو أي شيء، لا محاولات، حتى مواقفي تجاه الأمور من حولي أحاول تقليلها حتى تنعدم، حتى أصبح من اللامبالين الذين يكرههم غرامشي، لكنني لا أنجح، لا أنجح أبداً؛ فكلما دار في الحياة من حولي ما يستفزّ رغبتي في العيش، أتفاعل معه كما يجب، وأتلقى ما يصيبني في كل مرة، ثم أعِد نفسي بعدها أنها ستكون الأخيرة، لكنني أعود وأخلف وعدي مع نفسي… وأعيش الحياة، والآن، وبكل الألم الذي تحمله الحياة إليّ، أسأل: ماذا أفعل؟!

أشعر الآن بالحب والألم، هل يعني ذلك أنني أحيا؟ أكره أن أترك أفكاري المظلمة تنهش رأسي هكذا، أكره أن أقضي يوماً لا أعرف فيه ما الذي يفكر فيه الآخر تجاهي، أكره أن أهون، وأن تهون مشاعري على الآخرين، وأكره الانتظار، أكره كل هذه المشاعر التي تجعلني أعيش وأتورّط في الحياة بهذا الشكل، أكره كوني من المبالين بالحياة.

يقول الكاتب والشاعر العراقي حسن مطلك: “كم هو رائع أن نكون حقيقيين، ليس لمرة واحدة فقط، وإنما في كل مرة، أن نربح أنفسنا ولو خسرنا العالم، أن نتحرر من الشر، ومن أورام الضمير، وأن نخلع قذاراتنا الداخلية.. أن نستحم في نهر وعينا الخاص في نهاية كل يوم”، أظن أنّ هذه الأوصاف والأفعال تليق بهؤلاء المبالين مثلنا، الذين يحبهم غرامشي، فيحققون التوازن أمام أولئك الصامتين؛ فالفعل ــ أياً كان ــ تعبير عن الحرية، والمبالون دائماً أحرار.

أما اللامبالون في الحياة عموماً، والمبالون عند غرامشي خصوصاً، فأظنهم ينقسمون إلى نوعين:

نوعٌ وُلد هكذا، لا يعبأ بأي شيء، ويفضّل السير إلى جانب الحائط بل وداخله، بحجة أنّ صوتهم لن يغير شيئاً، وأنهم لن يصلحوا الكون.

ونوعٌ آخر، من كثرة ما تعرض له من صدمات وانكسارات واحباطات، أصبح لا مبالٍ؛ لا يستطيع تحمل الخذلان وألمه مرة أخرى -مثلي الآن- ففضّل الصمت على الحديث دون جدوى، والتوقف عن خوض التجارب نهائياً خشية الفشل مجدداً، فشقّ هؤلاء الحائط ليعيشوا فيه ويحتمون به خوفاً من انهياره في المرة القادمة على رؤوسهم، حتى لو كان هذا يعني التوقف عن الحياة نفسها، وعدم المبالاة بها من أصغر تفصيلة إلى أكبر موقف وتجربة فيها، وهذه حقيقة ليست مبالغة أبداً، فكما يقول غرامشي: “اللامبالاة هي الوزن الميت للتاريخ”، لذا هنا اختيارٌ صعب بين أن تصبح جزءاً من الوزن الميت أو أن تحيا فتُجرب وتقاوم.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق