جمال بربري
يقول “باري بوندز”: “على كل فرد في المجتمع أن يكون نموذجاً يُحتذى. ليس من أجل احترام ذاته وحسب، بل احتراماً للآخرين”.
والأمر لا يحتاج، بنظر العصاميين، إلا إلى التّلفتِ بيُسْرٍ للعثور على قدوتهم في الحياة.
وليس ضرورياً أن تكون لها مواصفات خاصة. فنظرات بسيطة تجعل الضعيف يحتذي بالقوي العادل، والفقير الدؤوب يقتدي بالغني الشريف، فالضعيف لا يحتاج إلى كل قوة “جون سينا” المصارع الأمريكي المعروف.
ولا الفقير يحتاج تحديداً إلى ثروة الملياردير “إيلون ماسك” (250 مليار دولار). فكل واحد يمكنه اختيار قدوة منطقية، يسهل الاقتداء بها وتحقيق طموحه المنطقي، الذي يقف بين الحياة الآمنة والأحلام الطيبة، لا الأوهام.
ربما يلوذ البعض بخيالهم، ويصنعونها بما يريح قلوبهم، وما يخفف عنهم وطأة الحياة، لكن دون شطط، ولا مفارقة لمعطيات الواقع، ولا نسج قصص يكون فيها خارقاً ويحقق بطولات تعويضاً مضللاً لمعاناته في الحياة. ولا يهرب من أزماته بحلول سحرية منبتة الصلة بحياته وصعوباتها. فهذا يراه بعض الباحثين عُقداً نفسية كامنة تزيد الأزمات حدة، والطين بلة.
والحقيقة أنني التزمت الواقع رغم قسوته، فاتخذت نفسي قدوة. “صانع الخبز والدهشة”، كأنّ اليُتم أنزلني من رحم الوجع مباشرة إلى الوقوف أمام نار الفرن بلا فاصل، لأعتاد لهيبها منذ البواكير، خاصة في جحيم الصيف. وكنت أتأمل رفاق الشقاء وأنا أُشكّل العجين بيدي، وأنضجه في النار، وأنا والفقراء في طابور الحياة والفرن، يتراصون طوال العمر أمامي يومياً في وقفات الانتظار والصبر.
أكتب عنهم، وأستقي منهم حكاياتي، أنشر بعضها، وأخفي بعضاً آخر بجوار وجعي. وحين تدور الفكرة برأسي وتطنّ كالنحل، ألتقط ورقة من صندوق القمامة لأدوّن مآسينا اليومية، بين العجين والطين.
علّمتني قسوة الحياة الكتابة، وحفّزتني الكتابة على الترفق بالناس، وعلّمني الترفق تأمل أحوالهم وأحوالي، والدأب على تنمية مواهبي، والحرص على إبداعي. وزادتني مهنتي الشاقة إصراراً، واستفزني ضعف مستواي التعليمي، وساعدني تنوّع الأوساط المجتمعية التي أتعامل معها، كأنّ الظروف كلها توافقت على مساعدتي، أو تهيئة الظروف الصعبة لتكون ظهيراً لي، وتمدّني دائماً بعلامات الاستفهام والدهشة، حتى شارفت حد الشغف.
كلمات الأديب كان لها مفعول السحر بحياتي. قال لي قبل رحيله:
“أنا إنسان عشت التشرد وأكلت من القمامة، فكيف ينتظرون مني أن أكتب لهم عن الفراشات؟”.
حُزت العديد من الجوائز، وصدرت لي أعمال أدبية عديدة، وما تزال الطريق طويلة وشاقة، لكن عزيمتي الآن أشد، تُمكّنني من الركوض خلف حلمي، لألمس أهدافي الإبداعية، وأستحق أن أكون قدوة لنفسي، وأظل أتأمل رفاق الشقاء في طابور الصبر والانتظار.
كل إنسان يقاتل من أجل لقمة العيش، ويدافع عن بيته ووطنه ومبادئه، أعتبره قدوة صالحة للعصاميين من أبناء الحياة.



أضف تعليق