بين الألم والأمل

خديجة بوشياه

وصلت سيارة الإسعاف مسرعة أمام المستشفى المعلوم، الخاص بمرضى النهار، أسرع الممرضون لإنزال المريضة وتفقد حالتها، ولكن سرعان ما انتقلوا بها إلى قاعة العمليات…
دخل الطبيب البكاء، المتخصص في مستشفى الليل، وهو خريج كلية الطب للمكتئبين، حاملاً بيده حقيبته الطبية، مكتوب عليها بخط عريض: الذكريات الجميلة.

دخل القاعة تاركاً وراءه العقل، وهو أحد أقارب المريضة، وقد كان في حالة من الهلع والخوف والتوتر، وكأنه الوحيد الذي يعلم مدى خطورة الوضع.

مرّت الدقائق تلو الأخرى، ثم الساعات كالأعوام، والعملية لم تنتهِ بعد، كاد الجنون يصيب العقل، لولا الباب الذي فتح وخرج الطبيب أخيراً، هرع إليه المسكين بنظرات منكسرة، متوسلاً أن يطمئنه، رغم أنّ وجه الدكتور لا يبشر بالخير، ألقى التحية ثم شرع في الحديث:
“لقد قمنا بما في وسعنا لإنقاذها، لكن المريضة تسممت بفيروس الفراق، وسيطرت بكتيريا الشوق على خلايا جسمها، وانشب عنكبوت الحزن خيوطه في قلبها، وهذا أمر خطير، وخاصة في سنها.”

ظن العقل أنه سيُجن، لولا الطبيب الذي أكمل أملاً:
“الآن حقنتها ببعض المسكنات، وهي في غياب مزيف عن عالمنا، ولكن لن تدوم مدّته، ومن ثم ستستيقظ لتواجه حقيقة لا مفر منها، وأنّ الحياة تستمر رغم الألم… وأملنا الوحيد يكمن في هذه الأدوية، والتي لا تباع في الصيدليات: يجب أن تحافظ على صلاتها وفي وقتها، وأن تأخذ جرعة من المناجاة في كل سجدة، ولا تنسَ حبوب الاستغفار بعد كل صلاة، فهي تحتوي على مضادات ستساعد في الرفع من نسبة الإيمان في قلبها.

فحذاري أن تنسى واجبك! فالمريضة في أمسّ الحاجة لهذه الأدوية، وإلا يؤسفني أن أخبرك بأنها على ضفة شيء مرعب يسمى في عالمنا بالاكتئاب، وأنت المسؤول عن مصيرها…”

أغمض المسكين عينيه، وأحس بالأرض تدور من حوله، فهو لم يستعد لكل هذه المسؤولية بعد، ولكنه القدر.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق