شهد أمجد سعيد العالول
عزيزي…
ما العيب في أن يكره الواحد منا نفسه، وأن يرغب لو أنه يخفي ذاته عن كل شيء، يرتدي الأسود بلا عزاء، ينام معظم النهار، ويبكي الليل بطوله، ما العيب في أن تسجل خيباته نفسها بين ملامحه، أن تخرج منه الكلمات هزيلة، والإجابات ناقصة، أن يُكابر على نفسه محاولاً تحمل آلام الصداع بلا مُسكنات؟
علمني يا سيدي كيف يعتاد المرء السير وحيداً… مُجرَّداً من كل شيء، تاركاً حاضره وماضيه خلفه، مُستغنياً عن مستقبله، علمني كيف يعتاد الظلام، بعد أن أطفأت عواصف اليأس كل الشموع، كيف يعتاد برد الليالي وسكون الأيام…
لازال يشعر أنه نكرة، لازال يعود غريباً إلى ذاته، مُطأطَأ الرأس فارغاً من كل شيء، عالقاً في تلك البقعة السوداء وحيداً، ضامّاً قدميه، وحاملاً فوق ذراعيه رأسه المُثقلِ بالأسى.
كيف الطريق إلى التسليم… بعدما تجذر فينا الضياع؟ كيف الطريق إلى التسليم… بعدما افترَسَنا العجز؟
دعني أسأل يا سيدي إن كان هناك شيءٌ أكبر وأكثر تعبيراً من مصطلح “العجز”، دعني أسأل عن شيءٍ بلا حدود، شيءٍ بلا ضوابط، عن شيءٍ يلتهب ألماً تارةً تلو أخرى…، دعني أسأل علّني أجد له مكاناً غير معاجمي، أطرده إليه بعيداً بعيداً… بعيداً عنّي.
سيدي…
شيءٌ يُقيدني… يقُصُّ جوانحي، يقذفني بلعنات الخرس، مبتورة الممشى، معمية المرأى، بلا مُتَّكأ…، في قلبي حسرةٌ لست المسؤولة عنها، وفي جوفي صرخةٌ أكبر من أن تُصرخ، كل الأبواب أتحسسها مُوصدةٌ وسط الضباب، لست قادرةً على رؤية خطوة واحدة أمامي، ولست قادرةً على إلقاء نظرةٍ يتيمة إلى ما خلفي، راكدةً هكذا أُراقب مرور اللحظة من على بعد ميلٍ من الأسى، بعد محاولاتي الكثيرة التي وهنت في الاحتفاظ بأجواء السعادة المُواسية، بعد محاولاتي الكثيرة في التمسك بزيف الأمل، بقيتُ هنا وحدي… في نقطة الوسط أرسو، تثقب الأيام جسم سفينتي، وأغرقُ أنا رويداً رويداً…
كل الأوراق المُلقاة على الطاولة أمامي بيضاء ممحوَّة الحبر، باهتة المعالم، لست قادرة على اختيار أيٍّ منهُن؛ فكُلُّهُنَّ سواء، وكُلُّهُنَّ نهايةً خاسرة، وطريقٌ مسدودة! وكأنّه كُتِبَ عليَّ أن أبقى عالقةً حيث نقطة الصفر ملَّتني وملَّت طيفي العابر!
سيدي…
على الضفة الأخرى من قلبي لازال شيءٌ بعيدٌ في الأعماق يبحث عن شرارة نور، يسأل: من أين لنا أن نجد ترياقاً لهذا الكَبَد؟ هل من مُعينٍ باحثٍ عنّا هنا؟ هل من شمعةٍ آخر النفق تُنجينا؟
فيجرني شيءٌ من الشعور يذكرني أني لازلت أملك قلباً نابضاً، أبحث عن حياةٍ بين الثنايا، لازال شيءٌ فيَّ يحاول… وإن كانت المحاولات استنزفتني، ربما لازلت أملك قليلاً من الصبر بعد، أجل، أملك منه علامةً حمراء أخيرة، أُداريها… ألُفُّها بلحاف قلبي خوفاً أن يسلبني إياها أحد، أُعلّمها حيلة العنقاء كل ساعة، علّها لو استُنفدت بأكملها عادت مالئةً رصيدي منها من جديد، أتلوها عليها دائماً: “وبشّر الصابرين”!
سيدي…
عذراً إن كنتُ أثقلتُ عليك بالشكوى، عذراً لأوراقي التي صمدت أمام ثقل الكلام، وحملت برفقٍ أدمعي، عذراً فلست أملك منفذاً آخر.
هو شعورٌ مُؤلمٌ ذاك… ذاك الذي يُغرقك على اليابسة، يَحرقك اشتعالاً في الماء، يتركك فارغاً في عز الامتلاء، هزيلاً ضعيفاً في عز العافية، قتيلاً في عز الحياة، عجوزاً في عز الشباب، موجعٌ هو العجز… العجز بعد المقدرة!



أضف تعليق