أحمد خضر أبو إسماعيل* – سوريا
تجمدت ملامحها تماماً، وأمست تشبه هيكلاً رومانياً عتيقاً ينتصب على أعلى تلك التلة الخضراء، يحثّها الرفاق على المسير، فالطريق لا تزال في بدايتها، ولا يمكنها التراجع بعد عبورها أخطر مراحل هذه الرحلة.
على بعد خطوتين منها، توقف أحد الرجال الذي أتعبه طول الطريق، وهو يحمل طفله على كتفه، أنهكه امتداد دمامل هذا النزوح العظيم إلى باطن قدميه، وراح يعرج مثل قط أضل طريق العودة إلى البيت، التفت نحوها قائلاً:
– شتان بين طفل يمكن أن يريحني نزوله عن كتفي، وطفل يتعلق بأحشائك يأبى الولوج إلى هذا الجحيم.
أيقظت كلمات هذا المهاجر مشاعر لعينة كانت تود دفنها، لكن الأمومة لا تموت لتدفن، حاولت أن تتابع المسير، لكن ألماً ما بدأ يتسرب إلى جوفها مع كل خطوة، تشدّ بيدها اليمنى على عصا تتكئ عليها، أما بيدها اليسرى فتمسك بطنها المنتفخ في محاولة لمنع هذا المشاكس من الاندفاع خارج جسدها، ينهمر عرق بارد ليكلل وجهها الذي يميل إلى صفرة قاتمة، تتقطع أنفاسها، فتقف قليلاً لتستعيد توازنها.
تسير مجدداً، وسكة القطار التي نعتها أحد النازحين بأنها طريق يفضي إلى الفردوس العظيم، سكة هرمة لا يمكن لأحد أن يحصي عدد المسافرين الذين عبروا فوقها، في قطار أو مشّاءة تائهين يبحثون عن أحلامهم هناك على الضفة الأخرى، استهواها تصميم هذه السكة الحديدية، وراقها عشب أخضر داكن وجد سبيلاً للحياة وسط الحصى المتراكمة بين أضلاعها. ترى نفسها مثل وريقات هذا العشب الضعيفة، تكافح باحثة عن ضوء يبشر بأنّ كابوس الحرب الشعواء سينتهي على أعتاب هذه البلاد.
ابتسمت، وهي ترى قائد الرحلة يشير بسبابته إلى نقطة تبدو بعيدة بعض الشيء، وما هي إلا لحظات حتى صرخ:
– الحمد لله، نحن في الطريق الصحيح…
عناقات المهاجرين وضحكاتهم بلغت عنان السماء، رغم اختلاف ألوانهم وأعراقهم، وحتى أهدافهم، إلا أنّ هذه اللحظة استطاعت أن توحدهم، فمهما كنتَ غنياً أو فقيراً، صغيراً أو كبيراً، أبيض أو أسمر أو أسود أو أصفر، لا يهم، ففي هكذا لحظات، عندما يكون الموت قريباً، يصبح طوق النجاة يتسع للجميع.
راحت تطالع وجه الخريطة البائس، خريطة لا تؤمن بالهروب، فليست إلا رسماً بسيطاً لا يُعبّر عن مدى صعوبة هذه الطرقات التي ارتسمت على ظهرها، فترى جبالاً تشبه حبات السمسم المبعثرة في طبق من الزعتر البري، أما في الحقيقة، فتنتصب هذه الجبال على هيئة حراس عمالقة يقومون بحماية هذه الأرض، أما هذا النهر الذي يتدفق بسرعة مجنونة، فليس إلا خطاً أزرقاً رقيقاً بالكاد يُرى بالعين المجردة، ولكن أجمل ما في هذه الخريطة ذات الوجه البائس أنها رسمت ذلك العشب الأخضر الداكن في كل زواياها.
يتنفس الراحلون الصعداء، وتشدّ هي مجدداً على عصاها التي راحت تنغرز بسلاسة في بِرك الوحل التي تشكّلت على ضفتي النهر العابث، وبدأت نسيمات الغروب تداعب خصلات شعرها التي أفلتت من تحت الحجاب، وانبثقت من العدم رائحة ليمون منعش راحت تدغدغ ذاكرتها وتعيدها لأيام الطفولة، سألت المهاجر صاحب الطفل عن مصدر رائحة الليمون، وقف الأخير بعد أن أنزل طفله على الأرض، وحاول أن يستدل على تلك الرائحة، لكن لا ليمون إلا في ذاكرتها المتعبة، وكأنها باتت تحس بأشياء يصعب على الأحياء الإحساس بها، ورغم ذلك قال لها:
– هناك خلف المحطة أرى ثلاث شجيرات تبدو وكأنها شجيرات ليمون…
ثبّتت بصرها، وراحت تحدق في الأفق بنظرات تائهة، باحثة عن تلك الشجيرات، تريد أن تركض نحوها وتقطف ثمارها، ثم تعتصرها بقبضة كفها، وتستمتع بحموضة قطراتها.
لكن المحطة اختفت، وحتى سكة القطار، وتلاشى حشد المهاجرين، وغاب صوت قائدهم، وعصفت رياح هوجاء مزقت معالم الخريطة ذات الوجه البائس، ولم يبقَ إلا وريقات العشب الأخضر الداكن تُكلّلها دماء ساخنة، وقطعة من اللحم تسبح في بركة الدم التي راحت تمتد نحو عدم أسود اللون يبدو أن لا نهاية له.
* روائي سوري حائز على جائزة فريد رمضان للرواية العربية 2023، وجائزة الإتحاد العام للأدباء العرب في العراق 2025.



أضف تعليق