إيهاب عمر داخلى
شرعت خيوط الصباح الأولى تتسلل في اختلاس من بين ثنايا الشراعة الأمامية لغرفته. ارتسمت تلك الخيوط على وجهه، تعانق عينيه في قسوة. انتبه لخيوط الضوء وهي تشرق على وجهه، معلنة تباشير صباح جديد. قاومت عيناه تلك الأضواء، انتبهت قليلاً، ثم ما لبثت أن غفت مجدداً، في رفض ممزوج برغبة جارفة في النعاس.
التقطت أذناه صياح الديكة من أعلى سطح البيت بقوة. دبّت الحركة في أنحاء البيت، مجبرة عينيه على الاستيقاظ. حاول أن يقاوم؛ فتدثّر بلحافه المهترئ، مغطّياً وجهه، لكن محاولته باءت بالفشل. كان صوت والده، وهو يتردد في أنحاء البيت، أشبه بالكابوس الذي يبدد سباته.
استيقظ على عجل، وارتشف كوباً من الحليب الساخن أعدّته له والدته. فكّ وثاق الأغنام والأبقار، وبدأ رحلته في الاستعداد للذهاب إلى الحقل. أعطته والدته بعض الطعام في صرّة بالية ليكمل بها ما تبقى من يومه الرتيب.
اجتاز هو ووالده الطريق الترابي المؤدي إلى الحقل في صمت. استقبلهما الحقل من بعيد بسنابل القمح الصفراء، وهي تلمع تحت أشعة الشمس الساخنة. جلسا بجانب خيال المآتة المنتصب في وسط الحقل، وطفقا يتفحصان صرّة الطعام ويتناولان ما أُعدّ لهما على عجل.
وبعد أن التَهم والده معظم الطعام، أخرج علبة معدنية كلاسيكية بها ورق تبغ بطيء، وبدأ يعدّ سجائره واحدة تلو الأخرى كعادته اليومية. كان يأمل أن يهديه والده إحدى تلك السجائر ليدخنها؛ حتى يشعر بأنه رجل ويغيظ عمه الحقود، لكنه لم يكن يجرؤ.
كان والده ينفث الدخان بعمق، فتتطاير خيوط الدخان أمام وجهه، فيحاول الابن أن يستنشق بعضها خفية. راقب والده حدود الحقل بينه وبين عمه، فوجد أنّ العلامات الحديدية أُزيلت. خاطب عمه على استحياء ليخبره بما حدث، فلم يجد من يجيبه. كان عمه يحتسي الشاي وسط أبنائه، وتتردد قهقهاتهم العالية في سخرية.
عاد الأب بحسرة، وجلس بجوار ابنه عند خيال المآتة. شرع في التدخين المتواصل بلا رحمة. فهم الابن من عيني والده الحائرتين ما حدث كالعادة. وبينما كان الأب يطلق وابلاً من السباب على الدنيا وأخيه، كان الابن غارقاً في تأمله لخيال المآتة.
دمية خشبية تستقر في وسط الحقل، ذات رأس صغير وذراعين طويلتين. ترتدي جلباباً ممزقاً لمزارع تائه، يخشى على سنابله من الطيور. شعر أنها تشبه شخصاً ما يعرفه، شخص لا يحرك ساكناً، ولا يؤثر في شيء، بينما تستقر العصافير فوق رأسه في تحدٍّ وسخرية.
سأل والده: “أبي، لماذا نحتفظ بذلك الخيال البائس في وسط الحقل؟”
رد الأب بقسوة: “ما الذي يشغلك بهذا الأمر؟ اعتنِ بالحقل أولاً، ثم اسأل عن خيال المآتة!”
رد الابن مُعلناً تمرّده بصوت أجش: “أبي، إنه لا يحرك ساكناً منذ سنوات، لا تخشاه الطيور ولا يحمي حدود أرض تُسرق كل يوم.” وألقى بكلماته ورحل بعيداً.
عاد إلى البيت واستقر فوق سطحه البسيط، ملتحفاً السماء، وشرع في التأمل الممزوج بالحسرة على أرض تضيع قطعة قطعة. كان يشعر بأنّ دمية الحقل تلك جزء من المشكلة، ثمة ارتباط كلاسيكي بينه وبينها.
وبينما هو كذلك، قاطعه بعض الصراخ أسفل البيت. انتبه بخوف، وهبط الدرج الطيني على عجل. كانت والدته تصرخ في البيت بقسوة، مخاطبة والده: “الأرض تنكمش، وأنت كما أنت، لا تحرك ساكناً، كخيال المآتة!” وألقت كلمتها في وجهه ورحلت.
ساد صمت عميق. جلس الأب في هدوء مطبق، مدخناً سجائره بعجلة، ثم انفجر بوابل من السباب، بعد أن خرجت كعادتها.
شرع الابن يحدث نفسه بقلق بالغ، مشعلاً سيجارة أمام أعين والده في تحدٍّ صريح لأول مرة. قال في نفسه: “الآن رحلت والدتي، وغداً من سيرحل؟” وعجز عن الإجابة.
وفي اليوم التالي، استيقظ من النوم وشمّر عن ساعديه في غضب. وصل إلى الحقل ناظراً إلى دمية الحقل ووالده في غضب مملوء بالسخرية. أشعل سيجارته وذهب إلى عمه بثقة وتحدٍّ.
استقبلته عيون العم وأبناؤه بدهشة ولمز ساخر. أخبره أنّ والدته تركت البيت بسببه، وأنه يجب إعادة تقسيم الحدود. انفجر العم بالضحك هو وأولاده، لكنه كان ضحكاً مصطنعاً.
نظر إليهم بازدراء، وأخرج سلاح جده القديم، حاشراً خزنته بالطلقات. ومن بعيد، شرع في التصويب غير المنقطع في جميع الأرجاء. كان دوي الرصاص يملأ المكان، حتى خيال المآتة لم يسلم من تلك الطلقات.
هرب الجميع في خوف، حتى المزارعين في الحقول المجاورة. لم يبقَ إلا هو، واقفاً في وسط الحقل، ناظراً إلى بقايا خيال المآتة المهشم، مردداً في نفسه:
“لن أكون.”



أضف تعليق