محمد النيجري
يروي «إيسوب» في خرافاتِه أنَّ مزارعاً كان يملكُ حقلاً شاسعاً من القمحِ الذَّهبي، وكان يُحيطُه بسياجٍ من الشَّوكِ الكثيف، يمنعُ السباعَ من العبور، ويحمي الزرعَ من العبث!
اجتمعتِ الخنازيرُ البريةُ التي كانت تشتري ودَّ المزارعِ نفاقاً، وخلصتْ إلى أنَّ هذا القمحَ لن يكونَ مُباحاً لها إلا إذا أقنعتِ المزارعَ بخلعِ ذلك السياج، وأنه لا بدَّ من حيلةٍ بليغةٍ تخدعُ عقله!
أرسلتِ الخنازيرُ وفداً منها ليقول له:
لماذا تضعُ هذا الشَّوكَ القبيحَ حولَ حقلكَ الجميل؟ إنه يُشوِّه المنظرَ العام، ويمنعُ أصدقاءكَ من زيارتكَ والاستمتاعِ بجمالِ خُضرتك، اخلعه وكنْ منفتحاً على الغابة، وسنضمنُ لكَ أن تعيشَ في سلامٍ دائم!
استمعَ المزارعُ إلى هذا الكلامِ المعسول، ووقعَ في قلبه موقعَ القبول، فقامَ باقتلاعِ السياجِ بيديه، وفتحَ حقله لكل عابر!
وفي اليومِ التالي كان الحقلُ أثراً بعد عين، بعد أن داسته الحوافرُ وهشمتْ سنابله الخنازير!
القصصُ والأمثالُ بالمعنى لا بالألفاظ!
كان لهذه الأُمَّة في أزمنةِ عزِّها سياجٌ متينٌ يحمي هويتها، وحصنٌ حصينٌ يلمُّ شتاتها، وهو «اللُّغة العربية»، التي جعلتها أُمَّةً بليغةً تفهمُ مرادَ خالقها، وتعتزُّ بجذورها، فأرادَ أعداؤنا -في لحظةِ استلابٍ منا- أن يخلعوا هذا السياج ليسهلَ عليهم هدم القلعة!
إنَّ هذا الحصن اللغوي لم يُهدمْ دفعةً واحدة، لقد حاصروه ركناً ركناً تحت مسمياتٍ عصرية، وعناوين براقة، وما القصدُ إلا قطعُ الصلةِ بينَ الإنسانِ وبينَ الوحي، وبينَ الحاضرِ وبينَ الماضي، ليبقى المرءُ تائهاً بلا هوية، يقبلُ ما يُملى عليه دون أن يملك الأدواتِ لتمحيصه!
جاؤونا مرةً بفريةِ «اللغاتِ الأجنبيةِ هي لغةُ الذكاء»، فصارَ التحدثُ بها في بيوتنا مدعاةً للفخرِ، واللحنُ بالعربيةِ أمراً عادياً!
وجاؤونا مرةً أخرى بدعوى «العاميةِ هي لغةُ الإحساس»، ليحطموا هيبةَ الفصحى في القلوب!
اقرأ أيضاً
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
أكثر من حياة واحدة: فلسفة العقاد في عشق القراءة
حين نكتشف أننا السبب
من يقرر ما يجب أن نقرأ؟
لغتنا العربية الجميلة
من نحن حين نكتب؟ الأدب كهوية وكشف للذات
أعملوا معاولَ هدمهم في لسانِ الناشئة، فأوهموهم أنَّ الرقيَّ في تقليدِ الغرب، وأنَّ لغةَ الضادِ لغةٌ جافةٌ لا تناسبُ روحَ العصر، وهم لا يريدون لنا الرقي، إنما يريدون لنا «التبعية المطلقة»!
دَعْكُمْ من مدحهم لتراثنا في المحافلِ الدولية، وخُذوا الحقيقة من قلوبِ مفكريهم. يقولُ المستشرقُ الفرنسيُّ «إرنست رينان» في أبحاثه: «اللُّغة العربية هي أغربُ ما وقعَ للإنسان، بدتْ كاملةً من غيرِ تدرج، ولا يُمكن لأيِّ أُمَّةٍ أن تُهزمَ لغوياً وتنتصرَ عسكرياً، إنها الحبلُ الذي يربطُ هؤلاء القوم بكتابهم، وإذا قُطعَ الحبلُ تفرقَ القوم»!
إنهم يعرفون جيداً أنَّ العربيةَ وعاءُ الدِّين، فإذا انكسرَ الوعاءُ ضاعَ ما فيه، وكل ما يفعلونه الآن هو تجفيفُ منابعِ الفصاحةِ في نفوسنا!
فالعاقلُ لا يخلعُ سياجَ بيتهِ لأنَّ الذئابَ وصفتْ له الشَّوكَ بالقبح، والحرُّ لا يتركُ لسانَ أُمِّهِ ليتحدثَ بلسانِ غاصبِه!
أنتَ اليومَ مرابطٌ على ثغرٍ من ثغورِ الهوية، فلا يُؤتينَّ الحصنُ من قِبَلِ لسانِك!



أضف تعليق