حين تنهمر السماء… تكتب الأرض قصيدة

سلمان العمَّاري

حين يهمي المطر، يهلُّ عبقُ ذكرياتِ الطفولة، بأشجانها ودهشتها وتفاصيلها الجميلة… التي يلتاع لها الفؤاد، ويشتعل وجيبُ الحنين إلى القرية.

وحين يبدأ المطر… لا يهطل الماء فقط، بل تهطل الذكريات.

كل قطرةٍ تسقط على زجاج المدينة توقظ في داخلي طفلاً كان يركض في طرقات القرية، حافي القدمين، ضاحكاً، كأنّ الدنيا كلها بين يديه.

كنتُ هناك…

في حضن الأرض، حيث كانت الشلالات تهمس في مسامعي،

وحيث كانت أمي تناديني من نافذة الطين، بصوتٍ مبللٍ بالحنان:

«تعال قبل أن تمرض!»

لكنني لم أكن أمرض… كنت أعيش.

كان المطر بالنسبة لي أكثر من طقس…

كان طقساً روحياً، احتفالاً خاصاً بيني وبين السماء.

أعانقه كمن يعود إلى أمه، أركض فيه كمن يهرب من الكآبة إلى الحياة، أتوحّد مع رائحته، وبركته، وقطراته، وصمته، وسلامه العميق.

تلك الذكريات لم تكن فقط عن المطر، بل عن الأرض التي يسكنها الغيم، وتغشاها الأمطار في الخريف والشتاء، وتلبس حُلّة خضراء دائمة، كأنها الفردوس.

كنتُ هناك، في منطقة بَعْدان، إحدى أعذب بقاع اليمن وأكثرها خضرة، في محافظة إبّ، المدينة التي تُعرف بـ«اللواء الأخضر»، لجمال طبيعتها، ووفرة أمطارها، وتنوّع تضاريسها.

لا زلتُ أذكر حين نخرج مع رفاقي في القرية، نتقصّد منابع السيول ومواردها المنهمرة في وسط القرية، وأزقتها، ومداخلها، وأطرافها…

تلك السيول الجارية القادمة من الجبل الذي تستند إليه قريتي الجميلة: نَبْل، مسقط رأسي وروحي.

لا زلتُ أذكر حين كنتُ أبني البيوت من الطين أنا وأصدقائي الرُّعاة بعد المطر، ونأكل الحلوى التي نصنعها بأنفسنا من السكر، على نارٍ نشعلها في الجبل؛ هناك في شِعب عكيم، وجبل شَعْمَلَه، والعرض، وأكمة خميسة، وفي حواري القرية وملاعب الطفولة: الصَّلبة، والجرين، والمقبرة… في كل القرية.

كنا ننتظر تدفّق السيول من شَعْمَلَه والشَّهاري إلى جرين الشِّيَاحة، نمر ونتقصّد كل المدارب والمساقط داخل القرية وخارجها، إلى القرى والعزل المجاورة:

شمالاً، نحو جبل المنار ومدرجاته، والقرى المتناثرة على قمته؛

وشرقاً، صوب عزلة الحرث الممتدة فوق سحول بن ناجي.

ثم ننتقل لنتأمل مدارب السيول نحو الجنوب، حيث جبل الشماحي، وقرى عزلة ريمان: قاحان، شاكان، الموجي، دار الشرف، وصلبة السيدة.

نتتبع مجاري السيول القادمة من عزلة ريمان عبر سائلة بحر الموشع، والمتدفقة نحو وادي قضام، حتى تلتقي بسيول الحرث، والمنار، والحيث عند سحول بن ناجي.

وفي الجانب الآخر، ننظر إلى منزل موسى، باب سوق النود، حصن خشافة، طبيع، وحصن حب الجبل، الذي يطل بروحه البصرية على المنار والشماحي، في صمتٍ مترفٍ بالعراقة.

نتابع شلالات المطر من قرية شعابة في عزلتي المنار والحرث، ونشاهد كيف تصل السيول إلى وادي الجنات، وكيف تنغمر الأرض بالبهاء.

نراقب تساقط المطر ومدارب السيول في قرى عزلة الحيث، خاصة عند بيت أمير الدين، حيث تتلاقى السائلتان في المنطقة الفاصلة بين العزلتين، كأنهما تكتبان توقيعهما على صفحة الأرض.

كنا نتابع المشهد وكأننا في صلاةٍ طويلة من الدهشة والامتنان…

نتأمل، ونتنفس، وننصت… وكأننا نكتب في دفتر الأرض قصيدة المطر.

أما الآن…

فأعيش في مدينة مترامية الأطراف، كثيرة البنايات، منخفضة الحنين، أشبه ما تكون بالكتل الإسمنتية الصمّاء الخرساء.

أقف خلف زجاج النوافذ، أراقب المطر وهو يسقط دون أن يلامسني كما كان يفعل قديماً…

لكنه يلامسني من الداخل، يناديني إلى هناك… إلى الجذور.

يأخذني المطر من صخب الأيام إلى فسحة تأملٍ صافية، يقول لي:

«عد إلى بساطتك الأولى، إلى قلبك حين كان نقياً كالغيم.

راجع ذاتك كما تراجع الأرض ملامحها حين تمطر.

اغسل قلبك كما تُغسل التلال في أول الغيث،

وتذكّر: أنك خُلقت من تراب، وستعود إليه… فارحمه».

المطر ليس ظاهرةً جوية، بل رسالة إلهية تقول لك:

ما زال هناك أمل،

ما زالت الأرض قابلة للإخضرار،

ما زالت نفسك تستحق الإصلاح.

المطر دعوة:

للعودة إلى الأرض،

للعمل بأيدٍ نقية،

للتصالح مع الذات،

لتهدئة القلب،

لترتيب الفوضى الداخلية،

للبكاء بهدوء دون خجل،

وللنظر إلى السماء بثقة، كما كنا نفعل ونحن صغار،

نمد أيدينا لنلتقط المطر… دون أن نخاف.

إنني أحنّ…

لا لقريةٍ فقط، بل لحياةٍ كاملة كانت تعني الحياة؛

لأيامٍ كنا نعرف فيها قيمة الماء،

قيمة الأرض،

قيمة لحظةٍ واحدة تحت المطر.


اكتشاف المزيد من الكتابة الإبداعية

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


التعليقات

أضف تعليق